الأسهم الأمريكية تقود انتعاش وول ستريت: صعود قوي لقطاعي الرقائق والبنوك يعوض الخسائر السابقة

استعادت الأسهم الأمريكية توازنها المفقود في جلسة تداولات الخميس، حيث أغلقت المؤشرات الرئيسية في المنطقة الخضراء، مدفوعة بزخم قوي وتدفقات سيولة استهدفت قطاعي أشباه الموصلات والمؤسسات المالية الكبرى. يأتي هذا الارتداد بمثابة تنفس للصعداء بعد موجة من الخسائر المتتالية والضغوط البيعية التي شهدتها “وول ستريت” نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والمخاوف المتزايدة بشأن استقلالية القرار في الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي).
أداء المؤشرات الرئيسية للأسهم الأمريكية
سجلت الأسواق أرقاماً إيجابية تعكس عودة التفاؤل الحذر بين المستثمرين، حيث سعت المحافظ الاستثمارية الكبرى لاقتناص الفرص عقب التراجعات الأخيرة:
- مؤشر داو جونز الصناعي: ارتفع بمقدار 292.81 نقطة، أي بنسبة 0.60%، ليصل إلى مستويات 49,442.44 نقطة. وقد تلقى المؤشر دعماً مباشراً من المكاسب القوية لسهمي “غولدمان ساكس” و”إنفيديا”، مما يعكس ثقة المستثمرين في الشركات ذات القيمة السوقية الضخمة.
- مؤشر S&P 500: حقق نمواً بنسبة 0.26% ليغلق عند 6,944.47 نقطة، وهو ما يشير إلى تحسن نسبي في اتساع نطاق الصعود ليشمل قطاعات متنوعة بخلاف التكنولوجيا.
- مؤشر ناسداك المجمع: تقدم بنسبة 0.25% مستقراً عند 23,530.02 نقطة، رغم الضغوط التي تعرضت لها بعض أسهم النمو نتيجة تقلبات عوائد السندات.
ورغم هذا الإغلاق الإيجابي، إلا أن المؤشرات أنهت الجلسة دون أعلى مستوياتها اليومية التي سجلتها في الصباح؛ حيث كان “داو جونز” قد حلق في وقت سابق بارتفاع تجاوز 431 نقطة (0.88%)، بينما لامس ناسداك مكاسب تخطت 1% قبل أن تتقلص هذه الارتفاعات جزئياً مع جنى أرباح سريع قبل الإغلاق.
ثورة الذكاء الاصطناعي تعزز الثقة في قطاع الرقائق
لعبت نتائج أعمال شركة “تايوان لأشباه الموصلات” (TSMC) دور القاطرة الحقيقي للسوق بأكمله. لم تكتفِ الشركة بالإعلان عن تحقيق ربع سنوي قياسي فحسب، بل قدمت رؤية مستقبلية جريئة كشفت فيها عن خطط لزيادة هائلة في الإنفاق الرأسمالي بحلول عام 2026، ليتراوح ما بين 52 و56 مليار دولار.
هذا التوجه الاستراتيجي يحمل دلالات عميقة؛ فهو لا يطمئن الأسواق بشأن الطلب الحالي فحسب، بل يرسل إشارة قوية بأن طفرة الذكاء الاصطناعي تمتلك ركائز حقيقية ومستدامة وليست مجرد “فقاعة” تقنية عابرة كما يروج البعض. وانعكس ذلك بشكل فوري ومباشر على الأسهم الأمريكية المرتبطة بهذا القطاع الحيوي؛ حيث قفز سهم TSMC المدرج في نيويورك بأكثر من 4%، مما دفع صندوق (SMH) المتخصص في أشباه الموصلات للصعود بنسبة 2%، تزامناً مع استمرار تألق سهم “إنفيديا” الذي أضاف هو الآخر 2% إلى قيمته السوقية.
نتائج البنوك الكبرى وتأكيد قوة النظام المالي
لم يكن قطاع التكنولوجيا وحده في ساحة الانتعاش، بل شهد قطاع البنوك في الأسهم الأمريكية زخماً موازياً بعد صدور تقارير أرباح فصلية أكدت قدرة المؤسسات المالية على النمو رغم تحديات الفائدة:
- جولدمان ساكس: صعد السهم بأكثر من 4% متجاوزاً كافة التوقعات، حيث استفاد البنك من انتعاش عمليات الاستشارات والتمويل، مما عزز أرباحه للربع الرابع لتتخطى تقديرات محللي “وول ستريت”.
- مورجان ستانلي: كان النجم الأبرز في القطاع بقفزة قاربت 6%، مدفوعاً بالأداء الاستثنائي لوحدة إدارة الثروات التي ساهمت في تجاوز أرقام الإيرادات والأرباح الصافية للتوقعات. المثير للاهتمام أن كلا السهمين نجحا في ملامسة مستويات قياسية جديدة لم تشهدها الأسواق منذ 52 أسبوعاً، مما يعزز الثقة في متانة القطاع المالي الأمريكي.
العوامل المؤثرة: مرونة سوق العمل وهبوط النفط
تزامن هذا الانتعاش مع معطيات اقتصادية كلية ساهمت في تحسين الحالة المعنوية للمتداولين. فقد تراجعت أسعار النفط بشكل حاد، حيث هوت العقود الآجلة لخام برنت وخام غرب تكساس بنسبة تجاوزت 4%، وهو ما يقلل من مخاوف التضخم المستورد ويوفر دعماً غير مباشر للقوة الشرائية للمستهلكين ولشركات الطيران والنقل.
علاوة على ذلك، أظهرت بيانات سوق العمل الأمريكي صموداً مذهلاً يدعم سيناريو “الهبوط الناعم” (Soft Landing). فقد انخفضت طلبات إعانة البطالة للأسبوع المنتهي في 10 يناير إلى 198,000 طلب، وهو ما يقل كثيراً عن توقعات الاقتصاديين البالغة 215,000. هذا الانخفاض يعكس قوة التوظيف واستمرارية النشاط الاقتصادي رغم تشديد السياسة النقدية، مما يمنح المستثمرين ثقة أكبر في قدرة الشركات على تحقيق الأرباح في الفصول القادمة.
في الختام، وبينما تحتفل “وول ستريت” بهذا الارتداد، تظل الصورة الكبيرة مليئة بالتحديات التي تستوجب الحذر. ستظل الأسهم الأمريكية تحت مجهر التقلبات الجيوسياسية، خاصة مع التطورات في ملفي إيران وجرينلاند. كما أن الصراع القادم حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي قد يخلق حالة من عدم اليقين في سوق السندات والعملات. إن استدامة هذا الصعود تتطلب استمرار تدفق الأرباح القوية من الشركات القيادية، وبقاء معدلات التضخم ضمن مسار هبوطي يسمح للاسواق بالتنفس بعيداً عن ضغوط الفائدة المرتفعة.
اقرأ أيضا…



