الدولار الأمريكي يرتفع مع تراجع مفاجئ في طلبات إعانة البطالة

شهد سوق العملات العالمي تحولاً استراتيجياً ملحوظاً اليوم الخميس، حيث استعاد الدولار الأمريكي زخمه الصعودي وبسط سيطرته مقابل سلة من العملات الرئيسية والمنافسة. لم يكن هذا الارتفاع وليد الصدفة، بل جاء مدفوعاً بحزمة من البيانات الاقتصادية القوية التي كشفت عن مرونة غير متوقعة في هيكل الاقتصاد الكلي، وتحديداً في سوق التوظيف الذي لا يزال يبدي صموداً أمام الضغوط النقدية. وقد أدى التراجع المفاجئ في عدد الأمريكيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة إلى إعادة رسم خارطة التوقعات في وول ستريت، مما عزز القناعة السائدة بأن أسعار الفائدة قد تظل عند مستوياتها المرتفعة الحالية لفترة زمنية أطول مما كان يطمح إليه المستثمرون.
بيانات سوق العمل تمنح قوة إضافية لعملة الدولار الأمريكي
أظهرت البيانات الأحدث الصادرة عن وزارة العمل الأمريكية انخفاضاً جوهرياً في الطلبات الأولية للحصول على إعانات البطالة الحكومية بمقدار 9,000 طلب، لتستقر عند مستوى 198,000 طلب (بعد التعديل الموسمي) للأسبوع المنتهي في 10 يناير. هذا الرقم لم يكسر حاجز التوقعات فحسب، بل جاء أدنى بكثير من تقديرات المحللين الاقتصاديين الذين استطلعت “رويترز” آراءهم، والذين كانوا يتطلعون إلى رقم في حدود 215,000 طلب.
وفي تحليل تقني لهذه الأرقام، أشار “لو برين”، الخبير الاستراتيجي في مؤسسة DRW Trading، إلى أن السوق يعيش حالة من التفاعل اللحظي مع بقاء معدلات البطالة عند “النطاق الأدنى” تاريخياً. وأوضح أن هذا الوضع يجبر صناديق الاستثمار وكبار الفاعلين في السوق على إجراء عمليات “إعادة تموضع” سريعة لمحافظهم المالية، مما يخلق طلباً مكثفاً يرفع قيمة الدولار الأمريكي بصورة مباشرة. ومع ذلك، لم يغفل “برين” الجانب التحذيري، حيث نوه إلى أن النماذج الإحصائية الحالية، مثل “نموذج الولادة والوفاة” (birth-death model)، قد تتضمن بعض الفجوات التي تضخم من صورة نمو الوظائف الحقيقية، وهو ما قد يستوجب مراجعات جذرية في التقارير السنوية اللاحقة التي عادة ما تصدر بجدول زمني متأخر.
تأثير البيانات على سياسة الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات الفائدة
أدت هذه القوة المستمرة في سوق العمل إلى إحداث هزة في “مقاييس الثقة” بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية. بدأت الأسواق المالية فعلياً في إعادة تقييم الجدول الزمني المتوقع لدورة تيسير السياسة النقدية، حيث تشير عقود الآجلة لأموال الاحتياطي الفيدرالي الآن إلى تراجع حاد في احتمالات خفض أسعار الفائدة قبل شهر يونيو القادم.
هذا التحول في المعنويات يتماشى بوضوح مع النبرة الحذرة التي يتبناها صانعو السياسة؛ فقد أكد “أوستان جولسبي”، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاجو، أن الأولوية القصوى للبنك المركزي يجب أن تظل منصبة على كبح جماح التضخم وضمان عودته للمستويات المستهدفة، طالما أن سوق العمل يوفر “شبكة أمان” قوية ولا يظهر علامات حقيقية على التصدع. ويستند هذا المنطق إلى حقيقة أن معدل البطالة، الذي استقر عند 4.4% في تقرير ديسمبر، لا يزال يعكس حالة من التشغيل الكامل تقريباً، مما يمنح الفيدرالي رفاهية الوقت للانتظار قبل اتخاذ قرار الخفض.
أداء مؤشر الدولار الأمريكي والعملات الكبرى في الأسواق العالمية
على صعيد التداولات، سجل مؤشر الدولار الأمريكي (DXY)، الذي يقيس القوة النسبية للعملة الخضراء مقابل سلة من ست عملات عالمية كبرى، ارتفاعاً لافتاً بنسبة 0.28% ليصل إلى مستوى 99.35 نقطة. وقد انعكس هذا التفوق بوضوح على أداء العملات الأخرى:
- اليورو: تعرض لضغوط بيعية واضحة، حيث انخفض بنسبة 0.29% ليتداول عند مستوى 1.1608 دولار، متأثراً باتساع فجوة عوائد السندات لصالح الولايات المتحدة.
- الين الياباني: شهد حالة من التراجع بنسبة 0.05% أمام الدولار الأمريكي ليصل إلى 158.54 ين. تزداد الضغوط على الين ليس فقط بسبب قوة الدولار، بل نتيجة حالة عدم اليقين السياسي في طوكيو مع توجه رئيسة الوزراء “ساناي تاكايتشي” نحو سياسات مالية توسعية وحل البرلمان، مما يجعل المتداولين في حالة ترقب دائم لتدخل محتمل من السلطات اليابانية لحماية عملتهم من الانهيار التام.
العوامل الجيوسياسية وانعكاساتها على الأسواق الرقمية
بجانب المحركات الاقتصادية، لعبت الجيوسياسة دوراً هادئاً في دعم شهية المخاطرة، حيث ساهمت تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بشأن تهدئة الأوضاع في إيران في منح الأسواق حالة من الاستقرار النسبي. وفي المقابل، وبسبب العلاقة العكسية التقليدية، وجدت العملات المشفرة صعوبة في الصمود أمام قوة الدولار الأمريكي؛ حيث هبطت عملة “بيتكوين” بنسبة 1.90% لتتداول عند 95,655 دولاراً، مما يعكس تفضيل المستثمرين للسيولة الدولارية والتحوط بالعملة التقليدية في ظل ضبابية مسار الفائدة.
ختاما يبقى الدولار الأمريكي الملاذ الأول والمحرك الأساسي لبوصلة الاستثمارات العالمية في الوقت الراهن. ورغم أن المؤشرات الحالية ترسم صورة وردية لمتانة الاقتصاد الأمريكي، إلا أن العين تظل مراقبة لأي مراجعات بيانات قد تظهر “ندوباً” خفية في سوق التوظيف، مما قد يقلب الطاولة ويعيد زخم الحديث عن خفض الفائدة في وقت أقرب مما تتوقعه الأسواق حالياً.
اقرأ أيضا…



