أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تهوي بأكثر من 4%: كيف أعادت تصريحات ترامب صياغة المشهد؟

شهدت أسعار النفط موجة هبوط حادة ومفاجئة خلال تعاملات يوم الخميس، حيث فقدت العقود الآجلة أكثر من 4% من قيمتها في جلسة واحدة اتسمت بالتخلي السريع عن مراكز الشراء. وجاء هذا التراجع مدفوعاً بشكل رئيسي بتهدئة المخاوف الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي خففت من حدة التوترات مع طهران، مما أدى إلى تبدد “علاوة المخاطر” التي كانت تسند السوق، تزامناً مع صدور بيانات سلبية ومقلقة حول مستويات المخزونات الاستراتيجية الأمريكية.

أداء سوق النفط العالمي اليوم

سجلت الأسواق العالمية تراجعاً ملحوظاً في الأرقام، وذلك في تمام الساعة 10:12 بتوقيت جرينتش:

  • خام برنت: انخفض بمقدار 2.84 دولار، أي بنسبة تراجع بلغت (4.27%)، ليصل إلى مستوى 63.68 دولار للبرميل، بعد أن كان يتحرك في مستويات تفاؤلية مطلع الأسبوع.
  • الخام الأمريكي (WTI): تراجع بمقدار 2.68 دولار، بنسبة هبوط بلغت (4.32%)، ليستقر عند 59.34 دولار للبرميل، ليكسر بذلك حاجز الـ 60 دولاراً النفسي.

هذا التراجع الحاد يأتي بعد فترة وجيزة من ملامسة خام برنت لمستويات قياسية تجاوزت 66.50 دولار خلال تعاملات يوم الأربعاء، مما يعكس حالة التخبط والتقلبات الشديدة التي تسيطر على أسعار النفط نتيجة الحساسية المفرطة للمتغيرات السياسية المتسارعة والأنباء الواردة من مناطق النزاع.

العوامل السياسية: تصريحات ترامب وانحسار “علاوة المخاطر”

أشار المحللون الاقتصاديون، وعلى رأسهم “أولي هانسن” رئيس استراتيجية السلع في “ساكسو بنك”، إلى أن نبرة الرئيس ترامب الهادئة بشأن التطورات الميدانية في إيران قد ساهمت بشكل مباشر في تغيير بوصلة التوقعات. فبمجرد الإشارة إلى تراجع احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، بدأت الأسواق في تسعير “انفراجة” سياسية، مما قلص من مخاوف تعطل إمدادات الطاقة عبر الممرات الحيوية.

بالإضافة إلى ذلك، عززت تقارير سحب الولايات المتحدة لبعض أفرادها من القواعد العسكرية في الشرق الأوسط من قناعة المتداولين بأن واشنطن لا تسعى للتصعيد في الوقت الراهن. هذا التغير في المشهد أدى إلى تلاشي الزخم الصعودي الذي كانت تستفيد منه أسعار النفط كأداة تحوط ضد مخاطر الحرب، مما دفع المستثمرين لإعادة تقييم مراكزهم بناءً على معطيات العرض والطلب التقليدية بدلاً من المخاوف الأمنية.

بيانات المخزونات الأمريكية: ضغوط فنية تزيد من حدة الهبوط

لم تكن السياسة هي المحرك الوحيد لهذا النزيف السعري؛ فقد تلقت السوق ضربة مزدوجة من جانب الأساسيات الفنية. أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) زيادة ضخمة في مخزونات الخام والبنزين، متجاوزة بكثير كافة تقديرات المحللين والخبراء.

  1. تراكم المخزونات: سجلت الأسواق أكبر عملية بناء للمخزونات الأمريكية منذ نوفمبر الماضي، مما أعطى إشارة واضحة على وجود فائض في المعروض المحلي يتطلب وقتاً لاستيعابه.
  2. طفرة الواردات: قفزت الواردات النفطية الأمريكية إلى أعلى مستوى لها في 14 شهراً، وهو ما وضع ضغوطاً نزولية مضاعفة على خام غرب تكساس الوسيط مقارنة بخام برنت، مما أدى إلى اتساع الفجوة السعرية بينهما وتحفيز عمليات البيع الفني.

العرض والطلب: توازن قلق ورؤية مستقبلية

على الرغم من القتامة التي تكسو التداولات الحالية، تبرز نقاط قوة هيكلية في السوق قد تساهم في كبح جماح الهبوط مستقبلاً وتوفير أرضية صلبة للأسعار:

  • الطلب الصيني القوي: قفزت واردات الصين من النفط الخام بنسبة 17% في ديسمبر، وسجلت أحجام الاستيراد اليومية مستويات قياسية تاريخية، مما يؤكد أن المحرك الآسيوي لا يزال يعمل بكامل طاقته لامتصاص الفوائض العالمية.
  • سياسة أوبك المتزنة: تشير تقارير منظمة “أوبك” الأخيرة إلى حالة من التوازن المتوقع بين العرض والطلب بحلول عام 2026، مع توقعات بنمو مستدام في 2027، مما يقلل من مخاوف حدوث تخمة معروض دائمة التي يروج لها بعض المحللين المتشائمين.
  • عودة النفط الفنزويلي: بدأت كاراكاس في عكس مسار خفض الإنتاج واستئناف الصادرات رغم القيود، وهي إضافة نوعية للمعروض قد تزيد من حدة التنافسية في الأسواق العالمية ولكنها توفر استقراراً في تدفقات الخام الثقيل.

في الختام، تظل أسعار النفط عالقة في منطقة رمادية بين انحسار التوترات الجيوسياسية وضغوط المعروض الأمريكي المتزايد. وبينما يميل المستثمرون حالياً لجني الأرباح السريعة والهروب من تقلبات “علاوة المخاطر”، يبقى الأداء القوي للاقتصاد الصيني والالتزام التنظيمي لدول أوبك بلس بمثابة صمامات الأمان التي تمنع الأسعار من الانجراف نحو انهيارات حادة، مما يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الاستقرار السعري فوق مستويات الدعم الحالية.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى