أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تواصل الصعود: هل تدفع التوترات الجيوسياسية البرميل نحو 70 دولار؟

شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً خلال تداولات يوم الأربعاء، لتسجل مكاسب للجلسة الخامسة على التوالي، وهي أطول سلسلة صعود في الآونة الأخيرة. يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بموجة من المخاوف المتزايدة بشأن احتمالية تعطل إمدادات الطاقة العالمية، وسط تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. ولم تعد الأسواق تكتفي بمراقبة التصريحات الدبلوماسية، بل باتت تسعر فعلياً احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، لا سيما مع تبادل التهديدات عالية النبرة بين واشنطن وطهران.

أداء السوق: برنت وغرب تكساس في المنطقة الخضراء

في تمام الساعة 11:47 بتوقيت جرينتش، سجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً بنسبة 1.4%، ما يعادل 92 سنتاً، ليصل سعر البرميل إلى 66.39 دولاراً. وفي السياق ذاته، صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بنسبة 1.4% ليصل إلى 62.02 دولاراً للبرميل.

هذا الزخم الإيجابي المستمر في أسعار النفط يعكس حالة القلق العميقة لدى المستثمرين وصناديق التحوط من تحول المناوشات السياسية إلى مواجهات عسكرية مفتوحة. إن أي صدام مسلح في هذه المنطقة الحيوية قد يؤثر بشكل مباشر وفوري على تدفقات النفط من مضيق هرمز، الذي يعد الشريان التاجي لإمدادات الطاقة العالمية، مما يجعل الأسواق في حالة تأهب قصوى لأي طارئ.

العامل الإيراني: تهديدات الإمدادات ترفع علاوة المخاطر

تترقب الأسواق بحذر شديد تطورات الأوضاع الميدانية والسياسية داخل إيران. وقد أرسلت طهران رسائل تحذيرية شديدة اللهجة لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مفادها أنها ستستهدف القواعد الأمريكية المتواجدة على أراضيهم في حال تعرضت لهجوم من واشنطن، مما يوسع دائرة الخطر الجيوسياسي لتشمل دولاً منتجة ومصدرة أخرى.

وفي هذا الصدد، أشار “خورخي مونتيبيكو”، العضو المنتدب لمجموعة “أونيكس كابيتال”، إلى أننا نمر بمرحلة حرجة من “عدم الاستقرار الجيوسياسي والتهديد الفعلي للإمدادات”. وأكد أن احتمالية توجيه ضربة أمريكية باتت تبدو مرتفعة في نظر المحللين، خاصة مع تشجيع واشنطن للاحتجاجات الداخلية التي قد تؤدي إلى هزات سياسية عنيفة في الداخل الإيراني، وهو ما يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين فوق توقعات الإنتاج.

من جانبهم، قام محللو “سيتي بنك” (Citi) برفع سقف توقعاتهم لسعر خام برنت ليصل إلى 70 دولاراً للبرميل خلال الربع القادم. وأوضحت المذكرة البحثية للبنك أن الاحتجاجات والاضطرابات في إيران تهدد بتضييق الخناق على توازن النفط العالمي؛ ليس فقط من خلال احتمالية تعطل الإنتاج فعلياً، بل من خلال زيادة “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي يضيفها المتداولون على السعر الأساسي للبرميل. ورغم أن مراكز الإنتاج الكبرى في إيران لم تتأثر بعد بالاحتجاجات، إلا أن مجرد استمرار حالة الغليان السياسي يكفي لإبقاء الأسعار فوق مستويات الدعم الحالية.

مخزونات النفط الأمريكية: عامل كبح للأسعار وسط العواصف

على الرغم من الدعم القوي الذي تتلقاه أسعار النفط من الجبهة الجيوسياسية، إلا أن البيانات الصادرة عن معهد البترول الأمريكي (API) جاءت لتضع كوابحاً أمام هذا الصعود الجامح. فقد أظهرت البيانات ارتفاعاً مفاجئاً وكبيراً في مخزونات الخام والمنتجات النفطية في الولايات المتحدة، مما يشير إلى ضعف مؤقت في الطلب أو وفرة في الإمدادات المحلية:

  • مخزونات الخام: سجلت زيادة غير متوقعة بمقدار 5.23 مليون برميل، مما أثار تساؤلات حول وتيرة الاستهلاك في أكبر اقتصاد عالمي.
  • مخزونات البنزين: قفزت بمقدار 8.23 مليون برميل، وهو ما يشير إلى تراكم في المخزون قد يضغط على هوامش التكرير.
  • نواتج التقطير: سجلت زيادة قدرها 4.34 مليون برميل، لتكتمل صورة الوفرة في المشتقات النفطية.

هذه البيانات الأمريكية تعمل كصمام أمان يمنع الأسعار من الانفجار لمستويات غير مسبوقة، حيث توفر “وسادة” من الإمدادات تخفف من حدة القلق بشأن أي انقطاع مفاجئ في أماكن أخرى من العالم.

المتغير الفنزويلي: عودة الإنتاج والتحولات السياسية

في تطور لافت يزيد من تعقيد معادلة العرض العالمي، بدأت فنزويلا (العضو في منظمة أوبك) في استعادة دورها جزئياً عبر عكس اتجاه تخفيضات الإنتاج الاضطرارية التي نتجت عن الحظر الأمريكي. ومع بدء استئناف عمليات التصدير، غادرت ناقلتان عملاقتان المياه الإقليمية الفنزويلية محملتين بنحو 3.6 مليون برميل من الخام.

هذه الخطوة تأتي في إطار تفاهمات أولية محتملة تهدف إلى ضخ نحو 50 مليون برميل في الأسواق، مما قد يساهم في سد أي فجوة قد تتركها إيران في حال تعطل إنتاجها. إن عودة النفط الفنزويلي الثقيل إلى المصافي الأمريكية والعالمية تمثل متغيراً مهماً قد يغير من حسابات الأسعار في المدى المتوسط.

في المحصلة، تظل أسعار النفط رهينة التوازن الدقيق والمتذبذب بين قوتين متعارضتين؛ فمن جهة، تدفع التوترات الجيوسياسية والتهديدات العسكرية الأسعار نحو الأعلى مع استهداف حاجز الـ 70 دولاراً لبرنت. ومن جهة أخرى، تعمل بيانات المخزونات الأمريكية الضخمة وعودة النفط الفنزويلي كعوامل ضغط هبوطية تحاول تهدئة الأسواق. سيبقى المتداولون في حالة ترقب لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) الرسمية ولأي تصعيد ميداني في الشرق الأوسط، إذ أن أي شرارة صغيرة في الخليج قد تكون كفيلة بإلغاء أثر المخزونات الأمريكية وقيادة النفط نحو مستويات سعرية قياسية جديدة.

اقرأ أيضا….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى