أخبار الأسواقأخبار الدولار الأمريكيفوركس

الدولار الأمريكي يلتقط أنفاسه بعد بيانات التضخم: هل ينجو الين الياباني من شبح الانهيار؟

شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من الترقب المشوب بالحذر خلال تداولات يوم الثلاثاء (13 يناير 2026)، حيث قلص الدولار الأمريكي مكاسبه التي حققها في وقت سابق من الأسبوع. جاء هذا التحول في أعقاب صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) لشهر ديسمبر، والتي جاءت متوافقة إلى حد بعيد مع توقعات المحللين، مما خفف من وطأة التكهنات بحدوث قفزة تضخمية مفاجئة كانت ستجبر الأسواق على إعادة تسعير الأصول بشكل حاد. وفي المقابل، واجه الين الياباني ضغوطاً بيعية حادة دفعته إلى أدنى مستوياته مقابل العملة الأمريكية منذ يوليو 2024، مدفوعاً بمخاوف سياسية وانقسامات حول التوجهات الميزانية داخل طوكيو.

بيانات التضخم الأمريكية وتأثيرها المعقد على مسار الفيدرالي

أظهرت البيانات الصادرة أن مؤشر أسعار المستهلكين العام ارتفع بنسبة 0.3% الشهر الماضي، ليصل النمو السنوي إلى 2.7%. أما التضخم الأساسي (Core CPI) – الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة ليعكس التوجه السعري المستدام – فقد سجل ارتفاعاً بنسبة 0.2% شهرياً و2.6% على أساس سنوي. ويرى المحللون أن هذه الأرقام، رغم استقرارها، تعكس وصول التضخم إلى مستويات “قاع محلي” يصعب كسرها بسهولة دون تباطؤ اقتصادي أوضح.

هذه الأرقام تمنح الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) مساحة محدودة للمناورة؛ فبينما يراقب صانعو السياسة استمرار الضغوط السعرية “اللزجة” في قطاع الخدمات، تبرز مخاوف موازية بشأن بوادر ضعف في سوق العمل ظهرت في تقارير الوظائف الأخيرة. وبدأت بنوك استثمار كبرى، مثل “جولدمان ساكس”، في تعديل توقعاتها لتؤجل أول خفض لأسعار الفائدة إلى يونيو 2026 بدلاً من مارس، مما يعزز من قوة الدولار الأمريكي على المدى المتوسط كونه يوفر عائداً مرتفعاً للمستثمرين مقارنة بعملات الملاذات الأخرى.

الدولار الأمريكي مقابل العملات العالمية: أداء متباين يعكس “اللايقين”

تأثر مؤشر الدولار (DXY)، الذي يقيس القوة النسبية للعملة الخضراء أمام سلة من ست عملات رئيسية، بهذه البيانات ليتحرك حول مستوى 99.02 نقطة، مسجلاً ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.15%. ويعكس هذا الأداء حالة “الانتظار والترقب” التي تسود المحافظ الاستثمارية الكبرى. وفيما يلي تفصيل لأداء العملات الرئيسية:

  • اليورو: تراجع بنسبة 0.06% ليصل إلى 1.166 دولار، حيث لا تزال الفجوة في معدلات الفائدة بين واشنطن وفرانكفورت تميل لصالح الدولار الأمريكي.
  • الجنيه الإسترليني: انخفض بنسبة 0.05% إلى 1.3452 دولار، متأثراً بتوقعات نمو متباينة في المملكة المتحدة.
  • الدولار الأسترالي: رغم تراجعه بنسبة 0.21% إلى 0.6696 دولار، إلا أنه أظهر مرونة مفاجئة بارتداد مؤقت بعد بيانات التضخم، مما يشير إلى أن العملات المرتبطة بالسلع والمخاطر لا تزال تبحث عن فرص للتعافي بمجرد استقرار العملة الأمريكية.

أزمة الين الياباني: مخاوف “تاكايتشي” والسياسة المالية التوسعية

كان الين الياباني الخاسر الأكبر بلا منازع، حيث هبط بنسبة 0.51% ليتجاوز حاجز 158.95 ين مقابل الدولار الأمريكي. تنبع هذه الأزمة من قناعة الأسواق بأن رئيسة الوزراء “ساناي تاكايتشي” قد تضحي بالاستقرار النقدي مقابل تحفيز النمو الاقتصادي، خاصة مع تزايد التكهنات بدعوتها لانتخابات مبكرة في فبراير لتعزيز شعبيتها.

إن توجه تاكايتشي نحو ميزانية قياسية تقدر بنحو 785 مليار دولار، واعتمادها على سياسات مالية “حمائمية”، أثار رعب المستثمرين من تفاقم عجز الموازنة في بلد يعاني أصلاً من أعلى عبء ديون في العالم المتقدم. هذا التراجع السريع دفع وزيرة المالية “ساتسوكي كاتياما” للتنسيق المباشر مع الخزانة الأمريكية لمواجهة ما وصفته بـ “التقلبات أحادية الجانب”، مما يضع الأسواق في حالة تأهب لتدخل ياباني محتمل قد يقلب موازين القوى أمام الدولار الأمريكي في أي لحظة.

الصراع على استقلالية الفيدرالي والتوترات الجيوسياسية

لم تكن التحركات النقدية وحدها هي المحرك، بل لعبت “الحرب القانونية” دوراً محورياً في زعزعة ثقة المستثمرين:

  1. تهديد استقلالية الفيدرالي: يراقب العالم بذهول تداعيات التحقيق الجنائي الذي تلاحق فيه وزارة العدل رئيس الفيدرالي “جيروم باول”. هذا التطور، الذي ربطه الكثيرون بضغوط من إدارة الرئيس ترامب لخفض الفائدة قسراً، دفع رؤساء 11 بنكاً مركزياً عالمياً (بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا) لإصدار بيان مشترك يدعم باول ويؤكد أن استقلالية البنوك المركزية هي حجر الزاوية للاستقرار العالمي. أي مساس بهذه الاستقلالية قد يؤدي إلى فقدان الثقة في الدولار الأمريكي كعملة احتياط دولية.
  2. التوترات العالمية المتصاعدة: ساهمت الأحداث المتسارعة في إيران وفنزويلا، جنباً إلى جنب مع ترقب قرار المحكمة العليا الأمريكية بشأن قانونية الرسوم الجمركية التي يتبناها ترامب، في إبقاء “علاوة المخاطر” مرتفعة، مما يدفع السيولة للتحوط عبر العملة الأمريكية والذهب.

ختاما يبقى الدولار الأمريكي هو البوصلة التي توجه التدفقات النقدية العالمية. ومع استقرار التضخم وتأجيل خفض الفائدة، من المرجح أن يظل الدولار في موقع القوة. ومع ذلك، يجب على المستثمرين توخي الحذر الشديد من “صدمات سياسية” قد تأتي من واشنطن أو “تدخلات نقدية” من طوكيو عند مستويات 160 ين. في ظل هذا المشهد المعقد، تبرز الأصول البديلة مثل البيتكوين (الذي تجاوز 92,400 دولار) كبديل لامتصاص التقلبات في النظام المالي التقليدي.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى