أسعار النفط تقفز عالمياً: هل تشعل التوترات الجيوسياسية فتيل أزمة إمدادات جديدة؟

شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً وحاداً خلال تداولات يوم الثلاثاء، حيث سيطرت المخاوف المتزايدة بشأن احتمالات تعطل الإمدادات من المنتجين الكبار على المشهد الاقتصادي العالمي. وقد طغى هذا القلق الجيوسياسي، لاسيما المتعلق بإيران، بشكل كامل على الأنباء والتقارير التي كانت تشير سابقاً إلى احتمال زيادة المعروض الخام القادم من فنزويلا. يأتي هذا التصاعد السعري في توقيت شديد الحساسية لأسواق الطاقة العالمية، حيث يكافح المستثمرون لتقدير “علاوة المخاطر” بدقة في ظل حالة من الضبابية السياسية التي تضرب مناطق الإنتاج الاستراتيجية، مما يجعل التوقعات المستقبلية عرضة لتقلبات حادة.
أداء أسعار النفط وتفاعل الأسواق العالمية
في الأسواق الفورية والآجلة، سجلت العقود الآجلة لخام “برنت” قفزة لافتة بلغت نحو 1.20 دولار، أو ما يعادل 1.9%، ليصل سعر البرميل إلى 65.07 دولاراً، وهو المستوى الأعلى الذي يتم رصده منذ منتصف نوفمبر الماضي. ولم يكن خام غرب تكساس الأمريكي بمنأى عن هذا الزخم، حيث صعد بنحو 1.23 دولار، أي بنسبة 2.1% تقريباً، ليتداول عند مستويات 60.73 دولاراً للبرميل.
تعكس هذه القفزات السعرية حالة من “التحوط الدفاعي” الذي يتبعه المتعاملون، حيث تسعى المحافظ الاستثمارية الكبرى لبناء حماية سعرية ضد أي انقطاع مفاجئ في التدفقات. وأوضح المحلل “جون إيفانز” من “PVM Oil Associates” أن السوق لم تعد تكتفي بمراقبة العرض والطلب التقليدي، بل باتت تعيد هيكلة مراكزها بناءً على احتمالية استبعاد كامل للصادرات الإيرانية من السوق الدولية، فضلاً عن تعقد المشهد اللوجستي في ممرات الشحن الحيوية.
إيران وفنزويلا: مركز الثقل والصراع في معادلة الأسعار
تعتبر إيران أحد الأعمدة الرئيسية في منظمة “أوبك”، لكنها تمر حالياً بمرحلة من عدم الاستقرار الداخلي نتيجة أضخم احتجاجات مناهضة للحكومة منذ سنوات. هذا الاضطراب لم يقتصر أثره على الداخل الإيراني، بل استدعى ردود فعل دولية عنيفة؛ حيث لوحت الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية قاسية وتدابير عسكرية محتملة. التحذير الصارم الذي أطلقه الرئيس دونالد ترامب بفرض تعرفة جمركية تصل إلى 25% على أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران يضع الصادرات الإيرانية — وخاصة تلك المتجهة إلى المصافي الصينية — في مهب الريح، مما ينذر بفجوة عرض يصعب تعويضها على المدى القصير.
من الناحية التحليلية، يرى بنك “باركليز” أن هذه الاضطرابات قد تُرجمت بالفعل إلى “علاوة مخاطر جيوسياسية” أضيفت فعلياً على أسعار النفط بقيمة تتراوح بين 3 إلى 4 دولارات للبرميل.
أما في الجانب الفنزويلي، فرغم التقارير التي أشارت إلى استعداد كاراكاس لضخ نحو 50 مليون برميل من النفط المخزن إلى الأسواق الأمريكية عقب التغيرات السياسية الأخيرة، إلا أن رد فعل السوق كان فاتراً. ويرجع ذلك إلى قناعة المحللين بأن هذه الكميات، رغم ضخامتها، قد لا تكفي لموازنة العجز في حال توقفت الإمدادات الإيرانية أو تعرضت المنشآت النفطية في الشرق الأوسط لمزيد من التهديدات.
التهديدات اللوجستية وأمن الملاحة البحرية
لم تتوقف الضغوط التي ترفع أسعار النفط عند التصريحات السياسية فحسب، بل اتخذت طابعاً ميدانياً خطيراً مع استهداف أمن الملاحة. التقارير التي كشفت عن تعرض أربع ناقلات نفط تديرها شركات يونانية لهجمات بطائرات مسيرة في البحر الأسود أثارت ذعراً في أوساط شركات الشحن والتأمين. هذه الناقلات، التي كانت في طريقها لتحميل النفط من محطة “كنسورتيوم خط أنابيب بحر قزوين” (CPC)، تمثل شرياناً حيوياً لنقل الخام من آسيا الوسطى إلى أوروبا.
إن تكرار مثل هذه الحوادث يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع جنوني في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، مما يرفع التكلفة الإجمالية للبرميل الواصل إلى المستهلك النهائي، ويجبر المصافي على رفع أسعارها لتغطية هذه النفقات غير المتوقعة، وهو ما يعزز من الاتجاه الصعودي للأسعار عالمياً.
رؤية تحليلية: التوازن الهش بين الفائض والمخاوف
بينما كانت الأسواق تعاني في الأسابيع الماضية من هواجس “تخمة المعروض” وتباطؤ الطلب العالمي، انتقل التركيز بشكل مفاجئ نحو أمن الإمدادات. ويشير الخبراء في “ريستاد” إلى أن هذا التحول في الاهتمام لا يعني اختفاء الفائض، بل يعني أن المخاطر السياسية أصبحت هي المحرك الأول للأسعار حالياً. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن زيادة نشاط التكرير في أوروبا أدت إلى ضغوط في سوق زيت الغاز (Gasoil)، مما يظهر تعقيد المشهد بين أسعار الخام الخام وأسعار المشتقات النهائية.
خناما تظل أسعار النفط رهينة للتجاذبات السياسية بين طهران وواشنطن وكاراكاس. وفي ظل استمرار التهديدات بفرض قيود تجارية صارمة، يترقب العالم مدى قدرة كبار المستوردين على المناورة، ومدى سرعة اندماج النفط الفنزويلي في سلاسل التوريد العالمية لسد الثغرات التي قد تتركها إيران في حال تصاعد النزاع إلى مستويات غير مسبوقة.
اقرأ أيضا…



