يلين تطلق صافرة الإنذار: هل تواجه استقلالية الاحتياطي الفيدرالي خطراً وجودياً؟

في تطور دراماتيكي يشهده الشارع المالي الأمريكي، وصفت وزيرة الخزانة السابقة والرئيسة السابقة للاحتياطي الفيدرالي، جانيت يلين، التحقيقات الجارية مع خليفتها جيروم باول بأنها “مثيرة للقشعريرة”، محذرة من تداعيات كارثية قد تمس جوهر استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. وتأتي هذه التصريحات لتعكس مخاوف عميقة من تحول الصراع السياسي إلى أداة لتقويض أحد أعمدة الاستقرار المالي العالمي.
استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في مهب الريح
أعربت يلين عن استغرابها الشديد من “هدوء الأسواق” النسبي تجاه هذه الأزمة، مؤكدة أن التحقيق الذي يجريه مكتب المدعي العام في واشنطن مع باول -بشأن مزاعم الحنث باليمين حول تكاليف ترميم مقر البنك المركزي- ليس إلا محاولة سياسية للضغط على صانع السياسة النقدية الأول في العالم. وأوضحت يلين أن توقيت هذا التحقيق، الذي تقوده شخصية مقربة من البيت الأبيض، يثير تساؤلات مشروعة حول الغرض الحقيقي منه، وهو ما قد يفسره البعض كـ “ترهيب قضائي” لإجبار الفيدرالي على تغيير مساره النقدي.
وقالت يلين بوضوح: “من خلال معرفتي العميقة بباول، فإن احتمالية كذبه تساوي صفراً. ما يحدث هو استهداف مباشر لشخصه بهدف إزاحته عن منصبه، وهو ما يمثل سابقة خطيرة في تاريخ التعامل مع قادة البنك المركزي”.
أبعاد الأزمة: هل تتحول أمريكا إلى “جمهورية موز”؟
تأتي هذه الضغوط في وقت يطالب فيه الرئيس ترامب بخفض أسعار الفائدة لتقليل تكاليف خدمة الدين العام الذي تجاوز 38.4 تريليون دولار. وفي هذا السياق، حذرت يلين من أن تسييس قرارات الفائدة لإدارة الديون هو “طريق مختصر نحو تحويل الولايات المتحدة إلى جمهورية موز”، وهو مصطلح اقتصادي يشير إلى الدول التي تفقد فيها المؤسسات هيبتها وقدرتها على لجم التضخم بسبب التدخلات السياسية.
إن محاولة إخضاع السياسة النقدية لأهداف مالية قصيرة الأجل (ما يعرف بـ “الهيمنة المالية”) تعيد للأذهان ذكريات مؤلمة من السبعينيات، حين خضع رئيس الفيدرالي حينها “آرثر بيرنز” لضغوط الرئيس نيكسون، مما أدى إلى انفجار تضخمي استغرق عقداً كاملاً لعلاجه بتكاليف اقتصادية باهظة.
إجماع تاريخي من قادة الاقتصاد
لم تكن يلين وحدها في هذا الهجوم؛ فقد انضم إليها قادة تاريخيون للاقتصاد الأمريكي في بيان مشترك غير مسبوق، يضم أسماء وازنة مثل:
- بن برنانكي وألان جرينسبان (رؤساء الفيدرالي السابقين الذين واجهوا أزمات تاريخية).
- تيموثي جايتنر وهنري بولسون (وزراء الخزانة السابقين).
وأكد البيان أن استخدام الأدوات القضائية لمهاجمة رئيس الفيدرالي هو “محاولة غير مسبوقة لتقويض الاستقلالية”، مشيرين إلى أن هذا النهج متبع فقط في الأسواق الناشئة ذات المؤسسات الضعيفة. وأوضح الموقعون أن قوة أمريكا تكمن في “سيادة القانون” وفصل النقد عن السياسة، وأن أي انحراف عن هذا المسار سيؤدي حتماً إلى تآكل الثقة في سندات الخزانة الأمريكية كأصول خالية من المخاطر.
لماذا يجب على المستثمرين القلق؟
إن المساس بـ استقلالية الاحتياطي الفيدرالي يعني أن قرارات الفائدة لن تخضع بعد الآن للبيانات الاقتصادية الدقيقة، بل للأهواء السياسية والدورات الانتخابية. هذا التغيير البنيوي قد يؤدي إلى تداعيات ملموسة:
- فقدان الثقة في الدولار: إذا بدأ المستثمرون الدوليون يشعرون بأن الدولار يُدار كأداة سياسية لتمويل العجز، فقد يبحثون عن بدائل أخرى، مما يضعف مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية.
- علاوة مخاطر أعلى (Risk Premium): قد يطالب المستثمرون بعوائد أعلى على السندات طويلة الأجل للتعويض عن عدم اليقين بشأن التضخم المستقبلي، مما يؤدي إلى “انحدار” في منحنى العائد (Yield Curve Steeping) وزيادة تكلفة الإقراض للمنازل والشركات.
- انفصال توقعات التضخم: عندما تفقد الأسواق إيمانها باستقلالية البنك، يتوقف المستهلكون والشركات عن تصديق مستهدفات التضخم (2%)، ويبدأون في تسعير زيادات أعلى في الأجور والأسعار، مما يخلق حلقة مفرغة من التضخم المرتفع.
- الهروب نحو الملاذات الآمنة: يفسر هذا التوتر الصعود القياسي لأسعار الذهب، الذي وصل لمستويات تاريخية مؤخراً، كتحوط من المخاطر المؤسسية والسياسية في الولايات المتحدة.
ختاما يبقى السؤال الجوهري: هل تنجح المؤسسات الأمريكية في حماية “Rule of Law” (سيادة القانون) التي هي بمثابة الضمانة الوحيدة للاستقرار؟ الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت الأسواق ستستمر في تجاهل هذه الإشارات “المقلقة” أم أنها ستبدأ في المطالبة بـ “علاوة استقلالية” على الأصول الأمريكية. إن استقلالية الفيدرالي ليست مجرد ترف أكاديمي، بل هي الأساس الذي يقوم عليه النظام المالي العالمي بأكمله.
اقرأ أيضا…



