أخبار الأسواقاخبار اقتصاديةأخبار الدولار الأمريكي

سوق العمل الأمريكي في نهاية 2025: هدوء حذر وديناميكيات “التوظيف المنخفض” تفرض كلمتها

شهد سوق العمل الأمريكي حالة من التباطؤ الملحوظ مع إغلاق ملفات عام 2025، حيث كشفت البيانات الأخيرة عن ترسيخ حالة “التوظيف المنخفض والتسريح المنخفض” (Low-Hire, Low-Fire). هذا المشهد الضبابي لا يعكس مجرد أرقام إحصائية، بل يجسد تراجعاً ملموساً في ثقة المستهلكين وخطط التوسع لدى أصحاب العمل، مما يضع صناع القرار المالي أمام تساؤلات جوهرية حول قدرة الاقتصاد على الصمود في وجه الركود المحتمل مع مطلع العام الجديد.

تراجع مؤشر اتجاهات التوظيف (ETI) ودلالاته المستقبلية

أظهر تقرير “كونفرنس بورد” (The Conference Board) تراجع مؤشر اتجاهات التوظيف (Employment Trends Index) إلى 104.27 نقطة في ديسمبر، مقارنة بـ 104.64 نقطة في نوفمبر (بعد التعديل). ورغم أن الانخفاض قد يبدو طفيفاً من الناحية الرقمية، إلا أنه يمثل استمراراً لاتجاه نزولي يفقد فيه السوق الزخم القوي الذي ميز النصف الأول من العام، مما يشير إلى أن الشركات بدأت في تبني استراتيجيات دفاعية حذرة.

ويؤكد “ميتشل بارنز”، الخبير الاقتصادي في كونفرنس بورد، أن هذا الانزلاق في المؤشر هو “مرآة لانخفاض الثقة في الآفاق المستقبلية لسوق العمل”. فالشركات لم تعد تتسابق لجذب المواهب كما كانت تفعل في فترة ما بعد الجائحة، بل أصبحت تركز على تحسين كفاءة العمالة الحالية بدلاً من التوسع في التعيينات الجديدة، وهو ما يقلص من مرونة سوق العمل وصعوبة العثور على بدائل وظيفية مجزية.

صعوبة الحصول على وظيفة: ضغوط متزايدة على الباحثين عن عمل

من أبرز النقاط المثيرة للقلق في التقرير الأخير هو القفزة في نسبة المستهلكين الذين صرحوا بأن “الوظائف صعبة المنال”، حيث بلغت 20.8% في ديسمبر. هذا الرقم يمثل الذروة منذ أوائل عام 2021، وهي إشارة سلبية قوية تدل على أن العمال بدؤوا يشعرون بتقلص الخيارات المتاحة أمامهم، مما يضعف قدرتهم التفاوضية على الأجور والمزايا.

تحليل العوامل المؤثرة في سوق العمل الأمريكي حالياً:

  1. استفحال ظاهرة العمل الجزئي القسري: ارتفعت نسبة العاملين بدوام جزئي لأسباب اقتصادية (Involuntary part-time workers) إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. هذا التحول يعني أن الكثير من العمال يرغبون في العمل بدوام كامل لكنهم لا يجدون سوى فرص جزئية، مما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية الفعلية للأسر رغم استقرار معدلات البطالة الرسمية.
  2. طلبات إعانة البطالة وحالة الارتباك: شهد ديسمبر ارتفاعاً هامشياً في مطالبات البطالة الأولية، وهو ما أحدث نوعاً من القلق رغم التراجعات التي سبقت ذلك في أكتوبر ونوفمبر. هذا التذبذب يعكس حالة من “عدم اليقين” لدى الشركات التي تحاول الموازنة بين الحفاظ على الكفاءات وتخفيض التكاليف التشغيلية.
  3. ديناميكية الاستقرار السلبي (الجمود): نلاحظ أن الشركات تتمسك بموظفيها الحاليين (التسريح المنخفض) خوفاً من تكاليف إعادة التوظيف الباهظة في المستقبل، ولكنها في الوقت ذاته جمدت خطط النمو (التوظيف المنخفض). هذا الوضع يخلق حالة من “الركود الهادئ” داخل المؤسسات، حيث يقل دوران العمالة وتتراجع الابتكارات المرتبطة بدماء جديدة في بيئة العمل.

أرقام وزارة العمل: فجوة بين التوقعات والواقع

بالتزامن مع بيانات المؤشر، جاءت أرقام وزارة العمل الأمريكية لتؤكد هذا التوجه؛ حيث أضاف الاقتصاد لـ 50,000 وظيفة فقط في ديسمبر، وهو رقم متواضع جداً مقارنة بالمتوسطات التاريخية. ورغم أن معدل البطالة انخفض تقنياً إلى 4.4%، إلا أن هذا الانخفاض قد يعود جزئياً إلى انسحاب بعض الأفراد من القوة العاملة أو الاكتفاء بوظائف دون مستوى مهاراتهم.

علاوة على ذلك، فإن المراجعات الهبوطية لبيانات أكتوبر ونوفمبر – والتي كشفت عن وجود 76,000 وظيفة أقل مما تم الإبلاغ عنه سابقاً – تعزز القناعة بأن سوق العمل الأمريكي كان أضعف مما كان يعتقد المحللون في البداية، مما يستوجب قراءة أكثر حذراً للبيانات اللحظية.

الخلاصة والتوقعات الاقتصادية الكلية

يستقر سوق العمل الأمريكي اليوم في منطقة “الجمود الإيجابي” الحساسة. فبينما تحمي معدلات البطالة المنخفضة تاريخياً الاقتصاد من السقوط الحر، تظل محركات النمو الحقيقية معطلة. بالنسبة للمستثمرين وصناع السياسة، فإن نقاط التحول في مؤشر (ETI) تعتبر نذيراً مبكراً لتغيرات هيكلية قادمة.

إن استمرار هذا التوجه قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) إلى اتخاذ موقف أكثر “تيسيراً” في السياسة النقدية، حيث أن ضعف التوظيف قد يصبح قريباً هو الهاجس الأكبر الذي يفوق القلق من التضخم. إن مراقبة قدرة السوق على خلق وظائف نوعية في الربع الأول من 2026 ستكون المعيار الحقيقي لمدى متانة الاقتصاد الأمريكي أمام الرياح المعاكسة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى