أخبار الأسواقاخبار اقتصاديةأخبار الدولار الأمريكي

أزمة جرينلاند: هل تشعل تهديدات ترمب سباقا نحو الملاذات الآمنة بعيدا عن الدولار؟

في مستهل عام 2026، يجد المستثمرون أنفسهم أمام مشهد جيوسياسي شديد التعقيد وغير مسبوق في حدته. لقد أعادت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالسيطرة على جزيرة “جرينلاند” التابعة للدنمارك – سواء عبر صفقات شراء مليارية أو حتى عبر التلويح بالوسائل العسكرية – رسم خارطة المخاطر في الأسواق العالمية بشكل جذري. هذه التحركات لم تعد تُصنف ضمن “الخطابات الانتخابية”، بل تحولت إلى محرك استراتيجي لأسعار الذهب وأسهم شركات الدفاع الأوروبية، وسط مخاوف حقيقية من زلزال يضرب أركان النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الذهب يسجل مستويات قياسية

لطالما كان الذهب هو الملجأ التاريخي في أوقات الاضطرابات، ولكن القفزة الأخيرة التي تجاوزت 4% في أسبوع واحد، ووصوله إلى قمم تاريخية جديدة يوم الاثنين، تعكس قلقاً يتجاوز مجرد التحوط التقليدي. فبعد عملية المداهمة العسكرية المفاجئة التي قامت بها الولايات المتحدة للقبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا، أدرك المستثمرون أن “مبدأ مونرو” الجديد قد بدأ حيز التنفيذ الفعلي، مما جعل تهديدات ترمب بشأن جرينلاند تبدو كخطوة استراتيجية تالية وليست مجرد طموح عقاري.

يقول ماثيو ميسكين، كبير استراتيجيي الاستثمار في “Manulife”: “أسعار الذهب تصرخ بأن الأسواق قلقة للغاية من المخاطر الجيوسياسية الممنهجة. إن الذهب، بصفته أصلاً لا يحمل مخاطر ائتمانية تجاه أي حكومة، أصبح الآن “العملة الوحيدة” التي يثق فيها المستثمرون لمواجهة احتمالات تجميد الأصول أو الانهيارات الدبلوماسية. وهذا ما يفسر استراتيجية “التحوط الدفاعي” التي تبناها كبار مديري الصناديق مثل راي داليو، الذي أشار مراراً إلى تفوق الذهب على الأسهم الأمريكية في ظل تفاقم الديون والاضطرابات السياسية.

أسهم الدفاع الأوروبية: المستفيد الأكبر من تصدع “مظلة الناتو”

إذا نفذت الولايات المتحدة تهديداتها ضد الدنمارك، وهي عضو مؤسس في حلف شمال الأطلسي (NATO)، فإن ذلك لن يمثل مجرد خلاف ثنائي، بل سيعني عملياً رصاصة الرحمة على الحلف. هذا الاحتمال دفع صناديق الاستثمار العالمية للرهان بكثافة على شركات الدفاع الأوروبية، إدراكاً منهم بأن “القارة العجوز” باتت مضطرة لتسريع وتيرة استقلالها العسكري وبناء منظومات دفاعية ذاتية بمعزل عن الدعم الأمريكي.

تحليل المكاسب في قطاع الدفاع:

  • شركة راينميتال (Rheinmetall) الألمانية: لم تكتفِ بالارتفاع بنسبة 19% في أسبوع، بل بدأت في تسعير طلبيات طويلة الأمد لتأمين الحدود الشمالية لأوروبا.
  • شركة ساب (Saab) السويدية: ارتفعت بنسبة 22% مدفوعة بزيادة الإنفاق العسكري في منطقة القطب الشمالي وتزايد التهديدات في “فجوة GIUK” الاستراتيجية.
  • مؤشر أسهم الدفاع الأوروبية: سجل أعلى مستوياته على الإطلاق، مع توقعات باستمرار الزخم مع تحول الميزانيات السيادية الأوروبية نحو التسلح المكثف.

تساؤلات وجودية حول النظام العالمي ومكانة الدولار

يرى المحللون أن السيطرة القسرية على جرينلاند ستؤدي إلى انهيار منظومة “بريتون وودز II” التي حكمت التوازنات المالية العالمية لعقود. ففي حين أن الدولار وسندات الخزانة الأمريكية لا تزال تستفيد حالياً من “الهروب نحو الجودة” (Flight to Quality) كملاذ قصير الأجل، إلا أن هناك تآكلاً حاداً في الثقة الدولية تجاه واشنطن كـ “ضامن” للقواعد العالمية.

تشير إيدانا أبقو، مديرة المحافظ في “First Eagle Investments”، إلى أن التصرفات الأمريكية التي تُعتبر “خروجاً صارخاً عن قواعد الطريق” قد تطلق شرارة تحول تاريخي في تخصيص الأصول. هذا التحول قد يتجلى في “هجرة عكسية” لرؤوس الأموال من الأصول المقومة بالدولار نحو أسواق أوروبا وآسيا، خوفاً من استخدام الدولار كأداة ضغط جيوسياسي مباشرة.

التحدي الصعب: كيف يسعر المستثمرون “مخاطر لا يمكن التنبؤ بها”؟

يظل التحدي الأكبر أمام المؤسسات المالية هو صعوبة وضع نموذج سعري (Pricing Model) لهذه المخاطر. فبينما تحوم الأسهم العالمية قرب مستويات قياسية، إلا أن “علاوة المخاطر الجيوسياسية” لم تُدمج بالكامل بعد. أي تحرك عسكري فعلي تجاه جرينلاند سيغير “قواعد اللعبة” في ثوانٍ، مما قد يؤدي إلى صدمة سيولة مفاجئة.

السيناريوهات الاقتصادية في حال التصعيد العسكري:

  1. هروب جماعي من المخاطرة (Risk-Off): موجة بيع عنيفة تضرب أسواق الأسهم، مع توجه السيولة نحو الأصول الصلبة.
  2. أزمة في سوق السندات السيادية: قد نرى مبيعات مكثفة في السندات الأوروبية (خوفاً على السيادة) وسندات الخزانة الأمريكية (خوفاً من العزلة السياسية).
  3. تضاعف أسعار السلع الاستراتيجية: جرينلاند ليست مجرد أرض، بل هي مخزن هائل للمعادن النادرة والنفط، والسيطرة عليها تعني إعادة تعريف خارطة إمدادات الطاقة العالمية.

ختاما إن أزمة جرينلاند في عام 2026 ليست مجرد نزاع حدودي أو طموح عقاري دولي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الأسواق على الصمود في وجه “تفكك العولمة” الأمنية. بالنسبة للمستثمرين الذكيين، لم يعد تنويع المحفظة ليشمل الذهب وأسهم الدفاع مجرد خيار تكميلي، بل أصبح “درع النجاة” الوحيد في عالم تتغير فيه التحالفات التاريخية بلمحة بصر، وتصبح فيه الملاذات التقليدية تحت مجهر الاختبار.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى