أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تلامس مستويات قياسية تاريخية وسط صدام “ترامب-باول”

شهدت الأسواق المالية العالمية مع بداية تعاملات الأسبوع الثاني من عام 2026 هزة عنيفة هزت أركان الثقة في السياسات النقدية التقليدية، حيث قفزت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، متجاوزة حاجز 4600 دولار للأوقية في تداولات اتسمت بالحدة والذعر. يأتي هذا الارتفاع الصاروخي مدفوعاً بحالة من الهروب الجماعي من الأصول عالية المخاطر بعد وصول الصدام بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول إلى مرحلة “الحرب المفتوحة”، مما أثار تساؤلات وجودية حول مستقبل استقلالية البنك المركزي الأكبر في العالم وتأثير ذلك على استقرار النظام المالي العالمي.

رصد أسعار الذهب اليوم

في تحديث فوري لحركة التداولات، سجلت أسعار الذهب اليوم قفزة تاريخية حيث وصلت العقود الفورية للمعدن الأصفر إلى 4,589.45 دولار للأوقية، بزيادة قدرها 1.77% عن إغلاق الأسبوع الماضي. كما ارتفعت العقود الآجلة تسليم فبراير بنسبة أكبر لتلامس 4,635 دولار.هذا الارتفاع لم يقتصر على الدولار فقط، بل امتد ليشمل العملات الرئيسية الأخرى، حيث سجل الذهب مستويات قياسية مقوماً باليورو والجنيه الإسترليني، مما يعكس شمولية حالة التحوط العالمية ضد المخاطر السياسية الناشئة في واشنطن.

أسعار الذهب والهروب نحو الملاذ الآمن

في ظل هذه الأجواء المشحونة بالتقلبات السياسية والاقتصادية، يعود المعدن الأصفر ليتصدر المشهد بوصفه الملاذ الأول والأخير للمستثمرين الساعين لحماية محافظهم من تآكل القيمة. وقد استفادت أسعار الذهب بشكل مباشر من تراجع الدولار الذي فقد بريقه كعملة احتياط وسط هذه الفوضى، وتزامن ذلك مع هبوط حاد في العقود الآجلة لمؤشرات وول ستريت بنسبة تجاوزت 0.5% لمؤشر S&P 500.

يعود هذا الزخم الاستثنائي إلى التصريحات الصادمة التي أدلى بها جيروم باول، والتي كشف فيها عن ضغوط غير مسبوقة مارستها إدارة ترامب، وصلت إلى حد التهديد بالملاحقة الجنائية تحت غطاء قضايا إدارية تتعلق بتجديد مقر البنك المركزي. هذه الخطوة لم تُقرأ في الأوساط المالية إلا كـ “ذريعة قانونية” تهدف إلى تطويع إرادة الفيدرالي وإجباره على تبني سياسات نقدية تيسيرية تخدم الأجندة السياسية للإدارة الحالية.

العوامل المحركة لارتفاع أسعار الذهب اليوم بالتفصيل:

  1. تقويض استقلالية الفيدرالي: يُعد استقلال البنك المركزي حجر الزاوية في استقرار العملة. والتهديد بتوجيه اتهامات جنائية لرئيسه يرسل إشارة سلبية للأسواق بأن السياسة النقدية باتت رهينة للطموحات السياسية، مما يدفع المستثمرين للتحوط عبر الذهب ضد احتمال فقدان السيطرة على التضخم مستقبلاً.
  2. انهيار جاذبية الدولار الأمريكي: انخفض مؤشر الدولار بنسبة 0.4%، مواصلاً رحلة الهبوط التي بدأت منذ عام 2025. هذا الضعف يجعل أسعار الذهب أكثر إغراءً للمستثمرين الدوليين، حيث تنخفض تكلفة شراء المعدن النفيس لحائزي العملات البديلة.
  3. تصاعد المخاطر الجيوسياسية المزدوجة: إلى جانب الصراع الداخلي في واشنطن، تزيد الأوضاع المتفجرة في إيران من علاوة المخاطر الجيوسياسية، مما يمنح الذهب زخماً إضافياً كأداة تحوط تقليدية ضد النزاعات المسلحة والتوترات في ممرات الطاقة العالمية.

المواجهة بين ترامب وباول: زلزال يهز الثقة النقدية

في بيان وصفه المحللون بأنه “الأكثر جرأة في تاريخ رؤساء الفيدرالي”، صرح جيروم باول بأن الإجراءات التي تتخذها الإدارة الأمريكية هي محاولات صريحة لتقويض المسار المهني للجنة السوق المفتوحة. وأكد أن هذه الضغوط تهدف إلى دفع البنك نحو خفض أسعار الفائدة بشكل أكثر عدوانية لضمان نمو اقتصادي سريع وقصير الأمد، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار الأسعار في المستقبل.

ويرى المحللون أن التناسب العكسي بين ثقة الأسواق في الإدارة السياسية وأسعار الذهب أصبح واضحاً تماماً؛ فكلما زادت الضغوط “لسحق” استقلالية الفيدرالي، اشتعلت رغبة الأسواق في تكديس الذهب.

تأثيرات موازية: النفط والعملات الأجنبية

بينما كانت أسعار الذهب تحلق في مناطق سعرية غير مستكشفة، شهدت أسواق الطاقة رد فعل يتسم بالحذر؛ فقد استقر خام برنت فوق 63 دولاراً للبرميل بقليل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة طفيفة ليصل إلى 59.02 دولاراً. وفي سوق العملات، كان الهروب من الدولار واضحاً باتجاه الفرنك السويسري الذي قفز بنسبة 0.6%، واليورو الذي تعززت قيمته لتصل إلى 1.168 دولار.

المسار المستقبلي لأسعار الذهب

تجمع أغلب بيوت الخبرة الاقتصادية على أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير سيناريو “الفيدرالي الضعيف”، مما يعني توقعات بخفض أكبر للفائدة في المدى القريب استجابة للضغوط السياسية. تاريخياً، تُعد بيئة الفائدة المنخفضة المصحوبة باضطرابات سياسية هي “العصر الذهبي” للمعدن الأصفر.

إذا استمرت الإدارة الأمريكية في تصعيد لهجتها، فإن أسعار الذهب قد لا تقف عند حاجز 4600 دولار، بل قد نراها تختبر مستويات 5000 دولار قبل نهاية الربع الأول من العام. المستثمرون الآن يترقبون بيانات التضخم القادمة ونتائج أعمال البنوك الكبرى بحثاً عن أي إشارات حول مدى صمود الاقتصاد الأمريكي أمام هذا التجاذب العنيف.

ختاما إن ما نشهده اليوم يتجاوز كونه مجرد تقلبات سعرية عابرة؛ إنه اختبار حقيقي لأسس النظام المالي العالمي. وفي ظل هذا المشهد الضبابي، يثبت الذهب مرة أخرى أنه الحارس الأمين للثروة في زمن الانهيارات السياسية والغموض الاقتصادي.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى