الدولار الأمريكي يستعيد توازنه أمام العملات الرئيسية عقب بيانات الوظائف
شهد سوق العملات العالمي تحركات ملحوظة يوم الجمعة، حيث سجل الدولار الأمريكي مكاسب متباينة مقابل سلة من العملات الرئيسية. جاء هذا الأداء مدفوعاً بصدور بيانات تقرير الوظائف الأمريكي الذي جاء دون التوقعات، تزامناً مع حالة من الترقب الشديد في الأسواق المالية لقرار مصيري من المحكمة العليا الأمريكية بشأن الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الحالية، وهو ما خلق مزيجاً من الحذر والتفاؤل الحذر في أروقة التداول.
بيانات الوظائف الأمريكية وتأثيرها على الفيدرالي
أظهرت بيانات وزارة العمل الأمريكية أن الاقتصاد أضاف نحو 50 ألف وظيفة فقط خلال شهر ديسمبر، وهو رقم يقل بوضوح عن توقعات المحللين التي كانت تستشرف إضافة 60 ألف وظيفة. ورغم هذا التباطؤ العددي، إلا أن الأسواق استوعبت الخبر بهدوء نسبي مال لصالح العملة الخضراء؛ حيث يرى الخبراء أن هذه الأرقام، رغم تواضعها، تعزز فرضية “الهبوط الناعم”. هذا التباطؤ قد يكون الإشارة التي ينتظرها مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، متجنباً بذلك أي تشديد نقدي قد ينهك القوى الشرائية أو يبطئ عجلة الاستثمار.
وتشير أداة “CME FedWatch” بوضوح إلى هذا التحول في التوقعات، حيث تسعر الأسواق حالياً احتمالاً بنسبة 95% لبقاء أسعار الفائدة كما هي في اجتماع 27 و28 يناير. هذه القفزة الكبيرة من نسبة 68% المسجلة قبل شهر واحد، تعكس قناعة المتداولين بأن الفيدرالي سينهج سياسة الانتظار والترقب (Wait-and-see) لتقييم أثر السياسات السابقة على التضخم والنمو.
أداء الدولار الأمريكي مقابل العملات الكبرى
حقق الدولار الأمريكي ارتفاعات طفيفة في بداية الجلسة قبل أن يقلص بعض مكاسبه لاحقاً نتيجة عمليات جني الأرباح السريعة. وإليكم تفصيل لهذا الأداء:
- أمام الين الياباني: سجل الدولار صعوداً بنسبة 0.72% ليصل إلى مستوى 158 ين، مستفيداً من فجوة السياسة النقدية بين الفيدرالي وبنك اليابان، مما يعزز جاذبية الأصول المقومة بالدولار كوعاء استثماري آمن ومربح في آن واحد.
- أمام الفرنك السويسري: نما بنسبة 0.25% ليصل إلى 0.801 فرنك، وهو تحرك يعكس تراجع الطلب على عملات الملاذ الآمن التقليدية لصالح العملة الأمريكية.
- أمام اليورو: واجهت العملة الموحدة ضغوطاً بيعية، حيث تراجع اليورو بنسبة 0.22% ليتم تداوله عند 1.1633 دولار، متأثراً بالفوارق في توقعات النمو الاقتصادي بين ضفتي الأطلسي.
- مؤشر الدولار (DXY): صعد المؤشر الذي يقيس القوة النسبية للعملة أمام سلة من ست عملات عالمية بنسبة 0.27% مستقراً عند 99.14 نقطة، مما يؤكد سيطرة الدولار على اتجاهات السوق قصيرة المدى.
الترقب لقرار المحكمة العليا: العامل الحاسم والسيناريوهات المحتملة
في قراءة أعمق للمشهد، يرى “ستيف إنجلاندر”، رئيس أبحاث العملات في بنك “ستاندرد تشارترد”، أن ثقل بيانات الوظائف قد يبدو ثانوياً إذا ما قورن بالزلزال المالي الذي قد يحدثه قرار المحكمة العليا بخصوص الرسوم الجمركية. الصراع يتركز حول مدى قانونية تفعيل “قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية” (IEEPA) لفرض رسوم دون الرجوع للكونجرس. وفي حال صدور حكم ببطلان هذه الإجراءات، ستواجه الخزانة الأمريكية تحدياً لوجيستياً ومالياً هائلاً يتمثل في رد مبالغ ضخمة تقدر بنحو 150 مليار دولار للشركات والمستوردين.
ويذهب المحللون إلى أبعد من ذلك، حيث يحذرون من أن إلغاء هذه الرسوم بالكامل قد يربك حسابات الموازنة العامة، مما قد يؤدي إلى رد فعل عنيف في سوق السندات. فارتفاع العجز المتوقع نتيجة هذه التعويضات قد يدفع عوائد السندات للارتفاع بشكل غير منضبط، مما سيخلق حالة من عدم الاستقرار في مستويات السيولة الدولية ويؤثر بشكل مباشر على جاذبية الدولار الأمريكي في المحافظ الاستثمارية الكبرى.
يبقى الدولار الأمريكي حالياً في مرحلة “الترقب الاستراتيجي”، رهينة التوازن الدقيق بين البيانات الاقتصادية الكلية وقوة سوق العمل من جهة، وبين القرارات السيادية والقانونية التي قد تعيد تشكيل السياسة التجارية الأمريكية من جهة أخرى. وبينما توفر احتمالات تثبيت الفائدة مظلة أمان واستقرار مؤقت للعملة، تظل الضبابية القانونية هي المحرك الأكثر تأثيراً على شهية المخاطرة، مما يجعل الأسواق في حالة تأهب قصوى لأي تصريح قد يصدر من المحكمة العليا في الأيام القليلة القادمة.
اقرأ أيضا…



