أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

نفط فنزويلا بين طموحات العودة وتحديات الواقع

يشهد قطاع النفط العالمي تحولا جذريا مع مطلع عام 2026، حيث تصدرت فنزويلا عناوين الأخبار الاقتصادية عقب التطورات السياسية المتسارعة وتدخل الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترمب. يطرح هذا التحول تساؤلات جوهرية حول قدرة كاراكاس على استعادة مكانتها التاريخية كعملاق للطاقة، ومدى انعكاس ذلك على التوازنات السعرية والمنافسة مع المنتجين الكبار، وعلى رأسهم كندا التي ترتبط ميزانيتها ارتباطا وثيقا بسوق الطاقة الأمريكي.

فنزويلا: عملاق نائم فوق أكبر احتياطي نفط في العالم

تمتلك فنزويلا أضخم احتياطيات مؤكدة من النفط الخام على كوكب الأرض، حيث تُقدر بحوالي 303 مليار برميل، ما يمثل 17% من إجمالي الاحتياطي العالمي. هذه الأرقام تضعها في المركز الأول عالمياً من حيث الوفرة الجيولوجية، متفوقة بوضوح على قوى نفطية كبرى كالمملكة العربية السعودية (267 مليار برميل) وإيران (208 مليار برميل).

وعلى الرغم من هذه الثروة الجيولوجية الهائلة، إلا أن القدرة الإنتاجية الفعلية شهدت تدهورا دراماتيكيا خلال العقدين الماضيين؛ فبعد أن كانت البلاد تضخ ما يقارب 3 ملايين برميل يوميا في عام 2000، ترنح الإنتاج ليصل إلى مستويات متدنية تراوحت بين 900 ألف إلى 1.1 مليون برميل يوميا بحلول نهاية عام 2025. لم يكن هذا التراجع وليد المصادفة، بل كان نتيجة تراكمية لسنوات من سوء الإدارة المؤسسية، وتهالك البنية التحتية الأساسية، وهجرة الكفاءات الفنية، فضلا عن العقوبات الدولية المشددة التي عزلت الخام الفنزويلي عن الأسواق الغربية لسنوات.

صدمة فنزويلا: لماذا تقلق كندا؟

تعتبر كندا رابع أكبر منتج للنفط عالمياً باحتياطيات تصل إلى 163 مليار برميل، وتعتبر المورد الاستراتيجي الأول للخام إلى الولايات المتحدة. تكمن نقطة الالتقاء -والصراع- في طبيعة الخام؛ إذ إن النفط المستخرج من الرمال النفطية في ألبرتا الكندية والخام المستخرج من حزام “أورينوكو” الفنزويلي كلاهما من النوع الثقيل جدا، وهو صنف عالي الكثافة يحتاج لمزجه بمذيبات خفيفة ليتمكن من التدفق عبر الأنابيب، ويتطلب مصافي ذات تقنيات معقدة لتحويله إلى وقود عالي الجودة مثل الديزل والبنزين.

نقاط التأثير المباشر والتبعات الاقتصادية على كندا:

  1. المنافسة الشرسة في ساحل الخليج الأمريكي: تُعد المصافي الموجودة في جنوب الولايات المتحدة “الزبون المثالي” للخام الثقيل، وقد اعتمدت لسنوات على الإمدادات الكندية لسد الفراغ الذي تركه غياب فنزويلا. إن عودة النفط الفنزويلي بقوة تعني مزاحمة مباشرة لخام غرب كندا (Western Canada Select)، مما يهدد بزيادة الضغط السعري وتوسيع الفارق بينه وبين خام “برنت” أو “نايمكس”، وهو ما يترجم مباشرة إلى خسائر بمليارات الدولارات في عوائد الشركات الكندية.
  2. معضلة التصدير والاعتماد الأحادي: تصدر كندا ما يقرب من 90% من إنتاجها النفطي إلى واشنطن. ومع توجه إدارة ترمب نحو فرض نوع من “الوصاية” أو السيطرة على التدفقات الفنزويلية لتأمين مصالحها، ستجد كندا نفسها في موقف دفاعي يحتم عليها تسريع البحث عن مخارج بديلة، لاسيما عبر مشروع “ترانس ماونتن” للوصول إلى الأسواق الآسيوية المتعطشة، وذلك لتقليل الارتهان للتقلبات السياسية في واشنطن.
  3. ارتباط العملة الوطنية لكندا بالنفط: بالنظر إلى أن النفط يمثل ركيزة الصادرات الكندية، فقد استجابت الأسواق المالية بضعف ملحوظ في قيمة الدولار الكندي مع مطلع 2026. هذا الضعف ناتج عن توقعات المستثمرين بحدوث تخمة في معروض الخام الثقيل، مما قد يؤدي إلى انكماش في الميزان التجاري الكندي وتراجع الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة التقليدي.

خطة ترمب: استثمار 100 مليار دولار وطموح الإنعاش السريع

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن استراتيجية جريئة تهدف إلى إقناع شركات النفط الأمريكية العملاقة (مثل شيفرون، إكسون موبيل، وكونوكو فيليبس) بالعودة لقيادة عمليات الإنتاج في فنزويلا، مع تقديرات لضخ استثمارات قد تصل إلى 100 مليار دولار على مدار العقد القادم.

ومع ذلك أن “استرداد المجد الضائع” لن يكون رحلة قصيرة؛ إذ تخضع التوقعات للمحاذير التالية:

  • المدى القريب (1-2 سنة): يمكن رفع الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل إضافية عبر “الإصلاحات السريعة” للحقول القائمة بتكلفة تتراوح بين 10 إلى 20 مليار دولار، وهو ما قد يؤدي لتهدئة الأسعار عالميا بشكل مؤقت.
  • المدى البعيد (5-10 سنوات): استعادة مستوى 3 ملايين برميل يوميا تتطلب استقرارا سياسيا طويل الأمد، وإعادة بناء كاملة لخطوط الأنابيب وموانئ التصدير التي نخرها الصدأ والإهمال، وهي مهمة تتجاوز مجرد توقيع العقود.

العقبات القانونية والديون الجسيمة

لا تقتصر عودة فنزويلا على الجانب الفني فحسب، بل تصطدم بجدار من التعقيدات المالية:

  • جبل الديون السيادية: ترزح كاراكاس تحت وطأة ديون خارجية تُقدر بنحو 170 مليار دولار. جزء كبير من هذه الديون مستحق للصين وروسيا، اللتين استخدمتا النفط كضمان للقروض لسنوات، مما يثير تساؤلات حول من سيحصل على عوائد البراميل الأولى المُنتجة.
  • إرث التأميم والنزاعات القضائية: لا تزال شركات مثل “إكسون” و”كونوكو فيليبس” تحمل ذكريات مريرة عن مصادرة أصولها في عام 2007. ولن تقامر هذه الشركات برؤوس أموال جديدة ما لم تحصل على ضمانات قانونية صارمة أو تسويات لديونها العالقة التي تبلغ مليارات الدولارات نتيجة أحكام التحكيم الدولي.

في النهاية بالنسبة للمراقبين والمستثمرين، تظل فنزويلا هي “الورقة الرابحة” (Wildcard) في معادلة الطاقة العالمية. فبينما يمثل إنتاجها الحالي جزءاً ضئيلاً من السوق، فإن قدرتها الكامنة كفيلة بزعزعة استقرار أسواق الخام الثقيل عالمياً. بالنسبة لكندا، فإن هذه التطورات هي جرس إنذار بضرورة رفع الكفاءة التشغيلية، وخفض تكاليف الإنتاج، وتأمين منافذ تصديرية دولية لا تمر عبر الولايات المتحدة حصرا، لضمان الصمود أمام أي موجة إمدادات قادمة من الجنوب.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى