الدولار الأمريكي يستعيد توازنه أمام الين الياباني: ترقب حذر لبيانات الوظائف والسياسة النقدية

شهد سوق الصرف العالمي تحركات ملحوظة يوم الخميس، حيث استطاع الدولار الأمريكي تحقيق مكاسب طفيفة أمام سلة من العملات الرئيسية، وعلى رأسها الين الياباني. يأتي هذا الارتفاع في وقت يحبس فيه المستثمرون أنفاسهم انتظاراً لصدور تقرير الوظائف غير الزراعية (Nonfarm Payrolls) الحاسم يوم الجمعة، والذي يُعد البوصلة الأساسية لتقييم صحة سوق العمل الأمريكي وتحديد المسار المستقبلي لأسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
تحليل أداء الدولار الأمريكي والين الياباني
ارتفع الدولار الأمريكي بنسبة 0.12% مقابل الين الياباني ليصل إلى مستوى 156.925. هذا الصعود يأتي مدعوماً ببيانات إعانة البطالة التي أظهرت زيادة معتدلة الأسبوع الماضي، مما يشير إلى حالة من المرونة والقرار المدروس من قبل الشركات في عمليات التسريح، رغم التباطؤ النسبي في وتيرة التوظيف التي كشف عنها تقرير وزارة العمل يوم الأربعاء.
كما تعزز مؤشر الدولار (DXY) – الذي يقيس أداء العملة الخضراء مقابل سلة من ست عملات رئيسية – بنسبة 0.08% ليصل إلى 98.802، وهو أعلى مستوى يسجله المؤشر منذ العاشر من ديسمبر. تعكس هذه المستويات ثقة حذرة في قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحقيق “هبوط ناعم” رغم الضغوط التضخمية المستمرة والتقلبات السياسية.
ترقب تقرير الوظائف وسياسة الفيدرالي
يرى “مارفن لوه”، كبير استراتيجيي الأسواق العالمية في “ستيت ستريت”، أن السوق يمر بمرحلة انتقالية يبحث فيها عن أدلة قاطعة بشأن اتجاه الاقتصاد الكلي. وبينما يسود إجماع فني على احتمالية ضعف الدولار الأمريكي على المدى الطويل نتيجة توقعات خفض الفائدة، إلا أن التحركات الحالية تعكس حالة من “النطاق العرضي” المائل للتحفظ، حيث يفضل المتداولون عدم اتخاذ مراكز كبيرة قبل اتضاح الرؤية بشأن القيادة الجديدة للبنك المركزي بعد انتهاء ولاية جيروم باول في مايو المقبل.
النقاط الجوهرية المؤثرة على العملة:
- توقعات الفائدة: تراهن الأسواق حالياً على خفضين على الأقل لأسعار الفائدة خلال هذا العام. هذا التباين بين توقعات المتداولين وتلميحات أعضاء الفيدرالي المنقسمين (الذين أشاروا سابقاً لخفض واحد فقط في 2026) يخلق نوعاً من التذبذب في جاذبية السندات الأمريكية.
- السياسة المالية والمخاطر السيادية: إعلان الرئيس ترامب عن ميزانية عسكرية ضخمة بقيمة 1.5 تريليون دولار لعام 2027 لم يمر مرور الكرام في أسواق السندات؛ فقد أثار مخاوف جدية بشأن استدامة العجز المالي وتفاقم الدين العام. هذه التوجهات قد تفرض “علاوة مخاطر” (Risk Premium) أعلى على الأصول الأمريكية، مما قد يضغط على قيمة الدولار الأمريكي إذا ما شعر المستثمرون بالقلق من تآكل الجدارة الائتمانية.
اليورو والضغوط الجيوسياسية في القارة العجوز
على المقلب الآخر، واجه اليورو ضغوطاً بيعية حادة أدت إلى انخفاضه بنسبة 0.09% ليصل إلى 1.1665 دولار. وتأثرت العملة الأوروبية الموحدة بعاملين استراتيجيين:
- انحسار التضخم والسياسة النقدية: أرقام التضخم الأخيرة في منطقة اليورو جاءت أضعف من المتوقع، مما دفع عوائد السندات الألمانية إلى أدنى مستوياتها في شهر. هذا التراجع يعزز التوقعات بأن البنك المركزي الأوروبي قد يضطر لتبني سياسات أكثر تيسيراً (Dovish) لدعم النمو المتعثر.
- أزمة جرينلاند والتوتر الجيوسياسي: تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حول بقاء خيار السيطرة على جرينلاند مطروحاً، أثارت فزع الحلفاء في فرنسا وألمانيا. يرى المحللون في “سوسيتيه جنرال” أن هذه الأزمة تبرز “الهشاشة النسبية” لأوروبا في مواجهة التقلبات السياسية الدولية، مما يدفع المستثمرين للتخلص من اليورو والبحث عن ملاذات آمنة أخرى.
تحركات العملات العالمية الأخرى
- الفرنك السويسري: ارتفع الدولار الأمريكي بنسبة 0.06% ليصل إلى 0.798 مقابل الفرنك، مستفيداً من فجوة أسعار الفائدة وتفضيل المستثمرين للسيولة الدولارية في ظل عدم اليقين الجيوسياسي.
- اليوان الصيني والحروب التجارية: سجل اليوان ارتفاعاً بنسبة 0.15% ليصل إلى 6.984 مقابل الدولار. جاء هذا التحرك بالتزامن مع إعلان بكين عن تحقيقات لمكافحة الإغراق في قطاع الكيماويات المستخدمة في صناعة الرقائق، وهي خطوة تعكس التصعيد التجاري المستمر الذي يلقي بظلاله على سلاسل التوريد العالمية.
- الدولار الأسترالي: تراجع بنسبة 0.38% ليصل إلى 0.66945 دولار، متأثراً بعمليات جني الأرباح بعد ملامسته لأعلى مستوياته في 15 شهراً، وضغوط تراجع أسعار السلع الأساسية.
ختاما يبقى أداء الدولار الأمريكي رهناً بمدى قوة البيانات الاقتصادية العينية بعيداً عن التكهنات. فإذا جاء تقرير الوظائف يوم الجمعة متجاوزاً للتوقعات، فقد نشهد موجة صعود قوية تعيد اختبار مستويات مقاومة جديدة. ومع ذلك، تظل التحديات الهيكلية المتمثلة في الديون السيادية، والسياسات التجارية الحمائية، والتحولات المرتقبة في قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بمثابة كوابح قد تمنع العملة من تحقيق ارتفاعات مستدامة على المدى المتوسط.
اقرأ أيضا…



