استقرار الدولار الأمريكي وسط تقييم لبيانات الوظائف
شهد الدولار الأمريكي حالة من الاستقرار الملحوظ أمام سلة من العملات الرئيسية خلال تعاملات اليوم الأربعاء، حيث دخل المستثمرون في مرحلة من التقييم الدقيق لمجموعة من بيانات سوق العمل الأمريكية وتداعياتها المباشرة على توجهات السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي. ويعكس هذا الهدوء النسبي حالة من الحذر الجماعي في الأسواق، حيث يسود الترقب حول ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي في طريقه نحو “هبوط ناعم” أم أن هناك تباطؤاً أعمق يلوح في الأفق.
أداء الدولار الأمريكي مقابل العملات الكبرى
سجل مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الخضراء مقابل ست عملات رئيسية، ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.04%. وتأتي هذه التحركات “التكتيكية” في ظل غياب تحديثات حاسمة من قبل مسؤولي السياسة النقدية، مما جعل المستثمرين يفضلون التريث قبل اتخاذ مراكز اتجاهية كبرى قد تعرضهم لمخاطر التقلب العالي.
تفاصيل التحركات السعرية:
- الدولار مقابل الين الياباني: تراجع الدولار بنسبة 0.06% ليصل إلى مستويات 156.56 ين. ويعكس هذا التراجع الطفيف لجوء بعض المستثمرين للين كـ “ملاذ آمن” جزئي في ظل تزايد التوترات التجارية في منطقة شرق آسيا.
- الدولار مقابل الفرنك السويسري: ارتفع بنسبة 0.06% ليصل إلى 0.796، مدعوماً بتباين عوائد السندات التي لا تزال تصب في مصلحة الأصول المقومة بالدولار.
- اليورو: استقر اليورو عند 1.1684 دولار بعد تراجع طفيف بنسبة 0.03%. وقد تأثرت العملة الموحدة بشكل مباشر ببيانات التضخم الألمانية التي جاءت دون التوقعات، مما دفع الأسواق لإعادة تقييم الجدول الزمني لرفع أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي، والذي يبدو الآن أكثر بعداً في عام 2027.
سوق العمل الأمريكي: المحرك الرئيسي للأسواق
تتجه الأنظار كافة نحو تقرير الوظائف غير الزراعية (Non-farm Payrolls) المقرر صدوره يوم الجمعة، والذي يعتبر البوصلة الأكثر دقة لصحة الاقتصاد. وتشير البيانات الأولية الصادرة عن وزارة العمل إلى انخفاض فرص العمل المتاحة بأكثر من المتوقع في نوفمبر، وهو ما يفسره المحللون كإشارة واضحة على أن الطلب المرتفع على العمالة بدأ يفقد زخمه تحت ضغط أسعار الفائدة المرتفعة.
وعلى الرغم من أن نشاط قطاع الخدمات – الذي يمثل الجزء الأكبر من الاقتصاد الأمريكي – قد انتعش بشكل غير متوقع في ديسمبر وفقاً لبيانات معهد إدارة التوريدات (ISM)، إلا أن تقرير (ADP) للتوظيف الخاص أظهر وتيرة نمو أقل من المأمول. هذا التناقض في البيانات يخلق حالة من “الضجيج” في الأسواق، حيث يصبح من الصعب التكهن بمدى “مرونة” التضخم وما إذا كان الفيدرالي سيضطر للإبقاء على سياسة التشديد النقدي لفترة أطول لحماية الدولار الأمريكي من ضغوط التضخم الهيكلي.
التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على العملات
لم تكن التحركات النقدية بمعزل عن المشهد السياسي العالمي المتوتر، حيث برزت عدة ملفات أثرت بشكل مباشر على شهية المخاطر وتدفقات رؤوس الأموال:
- الصراع التجاري الصيني الياباني: أعلنت بكين حظراً على تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج (العسكري والمدني) إلى اليابان، رداً على الموقف الياباني تجاه تايوان. ورغم أن هذا القرار لم يتسبب في صدمة فورية لسوق الصرف، إلا أنه ألقى بظلاله على الأسهم اليابانية التي فقدت 1% من قيمتها، مما يعزز من حالة عدم اليقين الجيوسياسي في منطقة المحيط الهادئ.
- أزمة الطاقة والسيادة الاقتصادية: تراجعت أسعار النفط وسط اتهامات صينية حادة للولايات المتحدة بانتهاج سياسات “التنمر” بعد محاولات واشنطن توجيه إمدادات النفط الفنزويلية بعيداً عن الصين. هذه الصراعات تزيد من جاذبية الدولار الأمريكي كعملة تسوية عالمية في أوقات الأزمات، حتى وإن استقر سعره في المدى القصير.
العملات السلعية: تفوق الدولار الأسترالي
في المقابل، برز الدولار الأسترالي كأحد الرابحين في جلسة اليوم، حيث سجل أعلى مستوياته منذ أكتوبر 2024 عند 0.6766 دولار. ويعود هذا القوة إلى تقارير التضخم المحلية التي جاءت مختلطة، مما أبقى على احتمالية قيام البنك المركزي الأسترالي برفع الفائدة في الأمد القريب لمواجهة ضغوط الأسعار، وهو ما جعل “الأوزي” يتفوق نسبياً في أدائه أمام العملة الأمريكية.
في الختام، يظل الدولار الأمريكي في حالة من “الانتظار النشط” قبل صدور بيانات التوظيف الحاسمة. إن التوازن بين تراجع التضخم وقوة سوق العمل هو ما سيحدد المسار القادم؛ فإذا جاءت بيانات الجمعة أضعف من المتوقع، قد نشهد ضغوطاً بيعية على الدولار نتيجة توقع خفض الفائدة مبكراً. أما إذا أثبت التوظيف صلابته، فإن ذلك سيعزز من مكانة الدولار كخيار استثماري أول مقابل العملات الرئيسية الأخرى.
اقرأ أيضا…



