أسعار النفط تتراجع وسط مفاجأة “الاتفاق الأمريكي الفنزويلي”

شهدت أسعار النفط موجة من التراجع الملحوظ خلال تداولات يوم الأربعاء، مدفوعة بتصريحات حاسمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن فيها التوصل إلى اتفاق استراتيجي لاستيراد كميات ضخمة من النفط الخام من فنزويلا. هذا التحرك، الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تأمين إمدادات وفيرة وبأسعار تنافسية لأكبر مستهلك للطاقة في العالم، أثار حالة من الترقب في الأسواق العالمية حول كيفية إعادة توازن المعروض وتأثير ذلك على استقرار الأسعار في الأمد المتوسط.
أداء الأسواق: ضغوط بيعية على عقود برنت وتكساس
استجابت الأسواق فوراً لهذه الأنباء، حيث سجلت العقود الآجلة لخام “برنت” القياسي انخفاضاً قدره 35 سنتاً، لتهبط إلى مستوى 60.35 دولاراً للبرميل. وفي سياق متصل، لم يكن خام غرب تكساس الأمريكي (WTI) بمعزل عن هذه الضغوط، إذ تراجع بنسبة 0.9% ليصل إلى 56.61 دولاراً للبرميل.
هذا الهبوط ليس مجرد رد فعل لحظي، بل هو امتداد لسلسلة من الخسائر التي تجاوزت دولاراً كاملاً في الجلسات السابقة. ويعزو المحللون هذا الاتجاه إلى القناعة المتزايدة لدى المتداولين بأن الأسواق تتجه نحو حالة من “تخمة المعروض”، مما يضع سقفاً لنمو أسعار النفط ويمنعها من التعافي إلى مستوياتها السابقة في ظل غياب محفزات قوية للطلب.
تفاصيل الاتفاق الأمريكي الفنزويلي: إعادة رسم خارطة التدفقات
كشف الرئيس ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي عن اعتزام فنزويلا تسليم ما بين 30 إلى 50 مليون برميل مما وصفه بـ “النفط الخاضع للعقوبات” إلى الولايات المتحدة، في صفقة تقدر قيمتها بنحو ملياري دولار. وتتجاوز أهمية هذا الاتفاق مجرد الأرقام، لتشمل تغييرات جذرية في لوجستيات الطاقة العالمية:
- إعادة توجيه المسارات اللوجستية: من المرجح أن يؤدي الاتفاق إلى تحويل مسار عشرات الناقلات التي كانت متجهة تاريخياً إلى الأسواق الآسيوية، وتحديداً الصين، لتصب حمولتها في المصافي الأمريكية على ساحل الخليج، مما يغير ديناميكيات الشحن البحري.
- تحرير المخزونات المعطلة: سيعمل الاتفاق على تحرير ملايين البرباميل التي ظلت عالقة في صهاريج التخزين والناقلات منذ منتصف ديسمبر الماضي نتيجة الحصار الاقتصادي، مما يعني تدفقاً مفاجئاً وكبيراً للمعروض في وقت قصير.
- ميزة التكلفة التنافسية: يمثل خام “ميري” الفنزويلي فرصة ذهبية للمصافي الأمريكية، حيث يباع بخصومات هائلة تصل إلى 22 دولاراً للبرميل دون سعر برنت. هذا الفارق السعري الكبير سيؤدي بالضرورة إلى خفض تكاليف الإنتاج للمشتقات النفطية، ولكنه في الوقت ذاته يضغط على أسعار النفط المنافسة.
رؤية المحللين: شبح الفائض يطارد عام 2026
يشير “جيوفاني ستونوفو”، المحلل البارز في بنك (UBS)، إلى أن الأسواق قد تجاوزت مرحلة الصدمة الأولى، وهي الآن في طور تقييم “الجدوى الفعلية” لهذه التدفقات وقدرة البنية التحتية الأمريكية على استيعابها بسرعة.
وفي رؤية أكثر شمولاً، حذر محللو “مورجان ستانلي” من سيناريو قاتم للمنتجين، حيث تشير تقديراتهم إلى إمكانية حدوث فائض ضخم يصل إلى 3 ملايين برميل يومياً خلال النصف الأول من عام 2026. هذا الفائض ليس ناتجاً فقط عن التدفق الفنزويلي، بل هو نتيجة تضافر عدة عوامل تشمل ضعف نمو الطلب العالمي في العام الماضي مقابل توسع مطرد في الإنتاج من دول خارج منظمة أوبك.
التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية المعمقة
تأتي هذه التطورات في مناخ سياسي مشحون، عقب احتجاز القوات الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وبينما يرى البيت الأبيض في ذلك خطوة لتأمين الطاقة، يصفه الجانب الفنزويلي بأنه “اختطاف” يهدف للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم.
اقتصادياً، حذرت وحدة (BMI) التابعة لمؤسسة “فيتش” من “أثر المزاحمة” الذي قد يحدثه النفط الفنزويلي رخيص الثمن. فاستمرار تدفق هذا الخام بأسعار مخفضة قد يجعل مشاريع التوسع في إنتاج النفط الصخري الأمريكي أو الاستثمارات الجديدة في المياه العميقة غير مجدية اقتصادياً، مما قد يؤدي إلى تجميد استثمارات بمليارات الدولارات في قطاع الطاقة العالمي.
ختاماً، يواجه المتداولون حقيقة جديدة تتلخص في أن أسعار النفط أصبحت رهينة لتقلبات سياسية غير مسبوقة وتغييرات مفاجئة في سلاسل التوريد. ومع دخول النفط الفنزويلي كلاعب أساسي بأسعار مدعومة بخصومات سياسية، فإن الضغوط الهبوطية من المرجح أن تستمر في الهيمنة على المشهد، مما يتطلب من المستثمرين والمنتجين إعادة تقييم استراتيجياتهم لمواجهة مرحلة “النفط الرخيص” المحتملة.
اقرأ أيضا…



