أخبار الأسواقأخبار الذهب

أسعار الذهب تتراجع عن ذروتها الأسبوعية: هل بدأت موجة جني الأرباح؟

شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً خلال تداولات يوم الأربعاء، متأثرة بمزيج من العوامل الفنية والاقتصادية، وعلى رأسها موجة واسعة من عمليات جني الأرباح السريعة وقوة الدولار الأمريكي. جاء هذا التصحيح السعري بعد أن لامس المعدن الأصفر مستويات مرتفعة هي الأعلى له في أكثر من أسبوع خلال الجلسة الصباحية، مما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم المالية قبل صدور تقارير اقتصادية حاسمة تتعلق بسوق العمل في الولايات المتحدة.

نظرة معمقة على حركة أسعار الذهب عالمياً

في الأسواق الفورية، سجل سعر الذهب انخفاضاً بنسبة 1.1% ليصل إلى 4,449.38 دولاراً للأوقية. ويعد هذا التراجع بمثابة “استراحة محارب” فنية بعد الرالي الصعودي العنيف الذي شهده المعدن يوم الاثنين الماضي، حينما اخترق حاجز المقاومة النفسي مسجلاً قمة تاريخية عند 4,549.71 دولاراً. هذا الفارق السعري الكبير جعل من المستويات الحالية نقطة خروج مغرية للمستثمرين الذين دخلوا مراكز شراء مبكرة، بهدف تأمين أرباحهم في ظل حالة عدم اليقين التي تسبق البيانات الكبرى.

أما في بورصة نيويورك التجارية (كوميكس)، فقد أظهرت العقود الآجلة للذهب لتسليم فبراير انخفاضاً موازياً بنسبة 0.8% لتستقر عند 4,460.50 دولاراً، مما يعكس نظرة حذرة لدى المتداولين على المدى القصير.

تحليل العوامل الضاغطة على أسعار الذهب

يرى المحللون أن الضغط السلبي الحالي ليس مجرد تراجع عابر، بل هو نتاج تداخل ثلاثة عوامل جوهرية:

1. استعادة الدولار لزخمه القوي

استقر مؤشر الدولار بالقرب من ذروته في أكثر من أسبوعين، مدعوماً بتوقعات تماسك الاقتصاد الأمريكي. وتتجلى التبعات الاقتصادية لهذا الارتفاع في زيادة “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة الذهب؛ فبما أن الذهب مقوم بالدولار عالمياً، فإن ارتفاع العملة الخضراء يؤدي تلقائياً إلى جعل المعدن أكثر كلفة للمشترين الدوليين، مما يقلص من حجم الطلب العالمي ويضغط على الأسعار نزولاً.

2. غلبة الطابع المضاربي وجني الأرباح

أشار “كايل رودا”، كبير محللي الأسواق المالية في Capital.com، إلى أن التحركات الحالية لـ أسعار الذهب لا تخضع بالكامل لأساسيات العرض والطلب المادي، بل تتأثر بشكل كبير بـ “حمى المضاربة” وتقلبات المعنويات. وأوضح أن السوق شهدت تداولات ثنائية الاتجاه، حيث كانت الكفة تميل للصعود قبل أن تبدأ ضغوط البيع الفني عند مستويات المقاومة التاريخية، وهو سلوك معتاد في الأسواق التي تشهد نمواً متسارعاً يفوق التقييمات العادلة في الأمد القريب.

3. الترقب الحذر لبيانات سوق العمل

تتجه أنظار الصناديق الاستثمارية نحو تقرير الوظائف غير الزراعية (Non-farm payrolls) المرتقب يوم الجمعة. وباعتبار الذهب “مخزناً للقيمة” يتأثر بأسعار الفائدة، فإن أي مفاجأة في بيانات التوظيف أو معدلات الأجور قد تغير من توقعات السياسة النقدية. ويسبق ذلك صدور بيانات استطلاع JOLTS لفرص العمل وأرقام التوظيف من القطاع الخاص (ADP)، والتي ستعمل كمؤشرات أولية لمدى مرونة سوق العمل الأمريكي، وبالتالي رسم مسار الذهب للأسبوع القادم.

السياسة النقدية والتعقيدات الجيوسياسية

لا يزال الذهب يستمد دعماً هيكلياً من توقعات خفض الفائدة؛ حيث يترقب المستثمرون قيام الفيدرالي بخفضين على الأقل هذا العام. وفي تصريحات لافتة، أكد “ستيفن ميران”، عضو مجلس المحافظين، على ضرورة التوجه نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً لدعم النمو، وهو ما يعزز جاذبية الأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب على المدى المتوسط والبعيد.

التأثيرات الجيوسياسية والطاقة:

أضاف الاتفاق الأخير بين واشنطن وفنزويلا، والذي يسمح بتصدير نفط بقيمة ملياري دولار إلى السوق الأمريكية، بعداً جديداً للمشهد. فهذا التحول في تدفقات الطاقة العالمية قد يساهم في تهدئة مخاوف التضخم، مما قد يقلل من جاذبية الذهب كتحوط من التضخم في حال استقرار أسعار النفط، لكنه في الوقت ذاته يعيد صياغة المخاطر الجيوسياسية التي تراقبها الأسواق بدقة.

المسار السعري للمعادن النفيسة الأخرى

امتدت موجة التصفية لتشمل المعادن الأخرى، مما يؤكد أن التراجع كان شمولياً في قطاع المعادن الثمينة:

  • الفضة: واصلت تراجعها بنسبة 2.5% لتستقر عند 79.27 دولاراً، مبتعدة عن ذروتها التاريخية التي سجلتها في أواخر ديسمبر.
  • البلاتين: تعرض لضربة قوية بهبوطه 6.2% ليصل إلى 2,291.24 دولاراً، متراجعاً عن قمته المسجلة يوم الاثنين الماضي.
  • البلاديوم: لم ينجُ من الضغوط البيعية حيث انخفض بنسبة 4.7% ليتم تداوله عند 1,736.93 دولاراً.

ختاما تشير المعطيات الراهنة إلى أن أسعار الذهب دخلت في مرحلة من التذبذب العالي والبحث عن قاع سعري جديد. ورغم التراجع المؤقت، تظل العوامل الأساسية مثل التوترات الجيوسياسية واحتمالات خفض الفائدة بمثابة صمامات أمان تمنع الانهيار الحاد. فنياً، تظل مستويات الدعم بين 4,400 و4,420 دولاراً مناطق حاسمة؛ فإذا نجح الذهب في الثبات فوقها، فقد نرى محاولة جديدة لاختراق القمم التاريخية مرة أخرى.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى