الدولار الأمريكي يتماسك أمام العملات الرئيسية وسط ترقب لقرارات الفيدرالي وتطورات جيوسياسية

شهد سوق العملات العالمي يوم الثلاثاء تحركات متباينة، حيث تمكن الدولار الأمريكي من تحقيق مكاسب طفيفة مقابل سلة من العملات الرئيسية. جاء هذا الارتفاع مدفوعاً ببيانات التضخم الضعيفة في منطقة اليورو وتضارب تصريحات مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في وقت بدأت فيه الأسواق تتجاوز الصدمة الأولية للأحداث الجيوسياسية المتسارعة في فنزويلا، مما أعاد التركيز إلى الفوارق في أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي العالمي.
أداء مؤشر الدولار الأمريكي والعملات الرئيسية
ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.19%، ليعوض جزءاً من خسائره التي تكبدها يوم الاثنين بعد بيانات قطاع التصنيع المخيبة للآمال التي سجلت أدنى مستوياتها في 14 شهراً. وفي المقابل، تراجع اليورو بنسبة 0.25% ليصل إلى 1.1692 دولار، متأثراً بتباطؤ التضخم في ألمانيا وفرنسا بأكثر من المتوقع خلال شهر ديسمبر، حيث سجلت البيانات قراءات تقترب من مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%، مما أضعف الحجة لاستمرار التشديد النقدي في القارة العجوز.
تفاصيل حركة العملات وآثارها:
- الدولار مقابل الفرنك السويسري: سجل صعوداً بنسبة 0.42% ليصل إلى 0.795، وهو ما يعكس تراجع الطلب على الفرنك كعملة تحوط تقليدية مع انحسار المخاوف الجيوسياسية الفورية.
- الدولار مقابل الين الياباني: شهد ارتفاعاً بنسبة 0.15% ليغلق عند 156.6 ين. ويراقب المتداولون هذا المستوى بحذر، حيث تمثل قوة الدولار الأمريكي المستمرة ضغطاً على السلطات اليابانية التي قد تتدخل لدعم عملتها.
- الدولار مقابل الجنيه الإسترليني: هبط الإسترليني بنسبة 0.30% ليبلغ 1.3499 دولار، متأثراً بمخاوف الأسواق من أن يتبع التضخم البريطاني نمط التباطؤ الأوروبي، مما قد يضطر بنك إنجلترا إلى مراجعة سياسته التشددية.
- الدولار الأسترالي: استثناء وحيد حيث سجل أعلى مستوى له في أكثر من عام عند 0.6739 دولار، مستفيداً من تحسن شهية المخاطرة في أسواق الأسهم والسلع، وهو ما يبرز دوره كعملة مرتبطة بالنمو العالمي.
انقسام في “الفيدرالي” حول مسار الفائدة لعام 2026
يظل الاتجاه المستقبلي لعملة الدولار الأمريكي رهيناً بمسار السياسة النقدية الأمريكية لعام 2026، وهو العام الذي يوصف بأنه “منعطف تاريخي” نظراً للتغيرات المرتقبة في قيادة الفيدرالي. تظهر التصريحات الأخيرة انقساماً حاداً بين صقور وحمائم اللجنة الفيدرالية:
- نيل كاشكاري (عضو مصوت): حذر صراحة من أن سوق العمل قد يواجه “مخاطر هبوط كبيرة”، مشيراً إلى احتمالية “قفزة” مفاجئة في معدلات البطالة، وهو ما قد يجبر البنك على تسريع وتيرة خفض الفائدة لحماية الاقتصاد من الركود.
- ستيفن ميران: دعا إلى تبني نهج “عدواني” في خفض أسعار الفائدة قبل نهاية ولايته، مؤكداً أن التأخر في التيسير النقدي قد يعرض الزخم الاقتصادي الحالي للخطر.
- توم باركين: مثل الجانب الأكثر حذراً، حيث دعا إلى “ضبط دقيق” (Finely Tuned) للقرارات بناءً على البيانات الواردة، محذراً من التسرع في التخفيض قبل التأكد التام من استقرار التضخم عند مستوياته المستهدفة.
وفقاً لأداة “CME FedWatch”، تسعر الأسواق حالياً احتمالية بنسبة 80% لإبقاء الفائدة دون تغيير في اجتماع يناير الجاري، بينما تشير توقعات مؤسسات كبرى مثل “مورغان ستانلي” إلى احتمالية إجراء 4 تخفيضات متتالية خلال العام ليصل النطاق المستهدف إلى حوالي 3.5%.
تأثير أزمة فنزويلا والملاذات الآمنة
على الرغم من الدراما السياسية المرتبطة باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إلا أن أثرها على الدولار الأمريكي كملاذ آمن كان عابراً وقصير الأمد بشكل مفاجئ. يرى المحللون في مؤسسات مثل “ING” أن الأسواق بدأت تعطي الأولوية للعوامل الاقتصادية الأساسية (Fundamentals) والنتائج القوية لأسواق الأسهم فوق المخاطر الجيوسياسية العارضة. هذا “التجاهل” للمخاطر السياسية يعكس ثقة المستثمرين في مرونة الاقتصاد العالمي، ويقلل من علاوة المخاطر التي كانت تدعم العملة الخضراء في الأزمات السابقة.
التحليل الفني والبحث عن الاتجاه القادم
من الناحية الفنية، يتحرك زوج اليورو/الدولار في نطاق محوري شديد الحساسية. ثبات السعر فوق مستوى الدعم 1.1695 يدعم بقاء النظرة الإيجابية لليورو على المدى المتوسط، بينما كسر هذا المستوى قد يفتح الباب أمام الدولار الأمريكي لاختبار مستويات 1.1485.
وفيما يخص مؤشر الدولار (DXY)، فإنه لا يزال يواجه مقاومة فنية قوية عند مستوى تصحيح فيبوناتشي 23.6% (حوالي 98.15). ويؤكد المحللون الفنيون أن اختراق هذا المستوى صعوداً هو الشرط الأساسي لتأكيد انتهاء الموجة الهبوطية التي بدأت في أواخر عام 2025 وبدء دورة صعودية جديدة.
ختاما يبقى الدولار الأمريكي في منطقة “الانتظار والترقب” (Wait-and-See). وبينما تضغط بيانات التصنيع الضعيفة عليه، توفر الفجوة بين التضخم الأمريكي المرتفع نسبياً والتباطؤ السريع في التضخم الأوروبي دعماً جوهرياً له.
اقرأ أيضا…



