تراجع التضخم في منطقة اليورو: هل وصل البنك المركزي الأوروبي إلى “نقطة التوازن”؟

شهدت الأسواق الأوروبية مع نهاية عام 2025 تحولاً محورياً في مسار التضخم، حيث كشفت البيانات الرسمية الصادرة من برلين وباريس عن تراجع ملحوظ في وتيرة ارتفاع الأسعار. هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصائيات عابرة، بل جاءت لتعزز رؤية البنك المركزي الأوروبي (ECB) بأن السياسة النقدية التشددية التي انتهجها بدأت تؤتي ثمارها بوضوح، مما يضع منطقة اليورو في الاتجاه الصحيح للتعافي المستدام. وقد تجلى هذا الارتياح في تصريحات كريستين لاجارد الأخيرة، التي وصفت وضع السياسة النقدية الحالية بأنه في “مكان جيد”، مشيرة إلى ثقة متزايدة في السيطرة على ضغوط الأسعار.
تباطؤ التضخم في ألمانيا وفرنسا: قراءة معمقة في الأرقام
أظهرت البيانات الموحدة الصادرة عن وكالة الإحصاء الألمانية (Destatis) أن معدل التضخم في ألمانيا انخفض إلى 2.0% في ديسمبر على أساس سنوي، مقارنة بـ 2.6% في نوفمبر. هذا التراجع بنسبة 0.6% ليس مجرد نجاح رقمي، بل يعكس استجابة حقيقية للضغوط الانكماشية الناجمة عن تراجع تكاليف الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية. ويعتبر وصول التضخم في أكبر اقتصاد أوروبي إلى عتبة 2% بمثابة “انتصار معنوي” لصناع السياسة النقدية، حيث يمثل هذا الرقم المستهدف الاستراتيجي طويل الأمد.
وفي السياق ذاته، كانت فرنسا بمثابة صمام أمان إضافي؛ حيث أفادت وكالة (Insee) بتراجع التضخم الموحد إلى 0.7% مقابل 0.8% في الشهر السابق. إن بقاء التضخم في فرنسا تحت حاجز 1% يشير إلى تباطؤ أكبر من المتوقع، وهو ما يضع أكبر اقتصادين في منطقة اليورو في منطقة مريحة للغاية من الناحية النقدية. هذا التزامن في تراجع الأسعار بين القطبين الألماني والفرنسي يعطي انطباعاً بأن موجة الغلاء التي اجتاحت القارة بدأت تنحسر بشكل أسرع بكثير من التقديرات المتشائمة التي سادت مطلع العام الماضي.
موقف البنك المركزي الأوروبي وفلسفة السياسة النقدية
في اجتماعه الأخير بتاريخ 18 ديسمبر، قرر البنك المركزي الأوروبي الإبقاء على سعر الفائدة على الودائع عند مستوى 2%، وهو المستوى الذي استقر عنده منذ يونيو الماضي. وصرحت رئيسة البنك، كريستين لاجارد، بأن هذه المستويات الحالية تمنح البنك “المرونة الكافية” والمكان المناسب للموازنة بين هدفين حساسين: الاستمرار في كبح أي طموحات تضخمية قد تظهر مجدداً، وفي الوقت نفسه عدم خنق النمو الاقتصادي الهش الذي يحاول استعادة زخمه.
آفاق النمو الاقتصادي والتضخم لعام 2026
وفقاً للتقديرات الاقتصادية المحدثة للبنك المركزي الأوروبي، فإن الآفاق المستقبلية تبدو متفائلة لكنها محفوفة بالحذر:
- النمو الاقتصادي: من المتوقع أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 1.2% خلال العام الحالي (2026)، وهو تباطؤ طفيف مقارنة بنمو 1.4% المحقق في 2025، لكنه يظل نمواً إيجابياً في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.
- مسار التضخم العام: يتوقع البنك هبوط التضخم إلى 1.9% في المتوسط هذا العام، وهو ما يقل فعلياً عن المستهدف الرسمي (2%). هذا المسار التنازلي يعزز التوقعات بأن فترة “التضخم الجامح” قد أصبحت خلف ظهورنا، وأن الاقتصاد الأوروبي يدخل مرحلة من الاستقرار السعري.
تحليل الخبراء: الفجوة بين استقرار الفائدة واحتمالات الخفض
على الرغم من حالة التفاؤل السائدة، يرى المحللون أن الطريق نحو “الهبوط الناعم” (Soft Landing) يتطلب دقة متناهية. تشير فرانزيسكا بالماس، كبيرة اقتصاديين أوروبا في “كابيتال إيكونوميكس”، إلى أن الثبات الحالي في أسعار الفائدة قد يواجه تحديات من جهة سوق العمل.
وتوضح بالماس وجهة نظرها قائلة: “إن المعايير التي يحتاجها مسؤولو البنك المركزي الأوروبي لتغيير موقفهم المتشدد تبدو مرتفعة جداً حالياً، وأرقام ديسمبر القوية ستدعم بالتأكيد رغبتهم في الحفاظ على الوضع الراهن. ومع ذلك، لا يمكننا تجاهل ضعف سوق العمل؛ فإذا استمر تراجع الطلب على العمالة، فقد نشهد هبوطاً في تضخم الخدمات إلى مستويات أدنى من توقعات البنك المركزية. هذا السيناريو، إذا تحقق، قد يغير الحسابات تماماً ويدفع البنك نحو سلسلة من عمليات خفض أسعار الفائدة في النصف الثاني أو أواخر عام 2026 لتجنب الدخول في حالة ركود”.
ختاما تتجه أنظار المستثمرين وصناع القرار الآن نحو صدور تقديرات التضخم الأولية لمنطقة اليورو ككل، والمقرر نشرها غداً الأربعاء. إن تطابق هذه البيانات الشاملة مع المسار التنازلي الملحوظ في ألمانيا وفرنسا سيمنح الأسواق الثقة الكافية للاعتقاد بأن الضغوط السعرية قد تم ترويضها بالفعل. وفي حال حدوث ذلك، فإن “الضوء الأخضر” سيُمنح للمستثمرين لتعزيز رهاناتهم على استقرار الاقتصاد الكلي الأوروبي، مما قد ينعكس إيجاباً على أسواق الأسهم والسندات في المدى المتوسط.
اقرأ أيضا…



