أسعار النفط تتماسك وسط ضبابية الإنتاج الفنزويلي وتوقعات بفرص العرض العالمي

شهدت أسعار النفط تحركات إيجابية طفيفة خلال تعاملات يوم الثلاثاء، حيث دخلت الأسواق في حالة من تقييم الفرص والمخاطر. يوازن المستثمرون وصناع القرار حالياً بين سيناريوهين متناقضين؛ الأول هو التوقعات المتزايدة بوفرة الإمدادات العالمية خلال العام الجاري، والثاني هو حالة عدم اليقين الضبابية التي تكتنف مستقبل إنتاج الخام الفنزويلي. يأتي هذا التحرك السعري الحذر في أعقاب التطورات الجيوسياسية المتسارعة في كراكاس، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول قدرة السوق على استيعاب أي تدفقات مفاجئة وتأثير ذلك على توازن القوى بين المنتجين والمستهلكين في المدى المتوسط.
أداء الأسواق: صعود حذر لمزيج برنت والخام الأمريكي
على صعيد الأرقام، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.5%، ما يعادل 30 سنتاً، لتستقر عند مستوى 62.06 دولار للبرميل، مما يشير إلى محاولة السوق التمسك بمستويات دعم نفسية هامة. وفي الوقت نفسه، سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) صعوداً بنسبة 0.4% ليصل إلى 58.57 دولار للبرميل. هذا الاستقرار النسبي لا يعبر عن هدوء في السوق بقدر ما يعكس حالة “الترقب والانتظار” (Wait-and-see) التي تسيطر على المتداولين؛ فالمخاطر الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية تعمل كمصدّ لضغوط الهبوط الناتجة عن تباطؤ الطلب العالمي.
فنزويلا: هل يغير رحيل مادورو خارطة الإمدادات؟
تتجه أنظار المحللين اليوم نحو كراكاس، حيث يرى مراقبون أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قد يكون نقطة التحول التاريخية التي تنهي عزلة النفط الفنزويلي. هذا التطور قد يمهد الطريق لرفع تدريجي للحظر الأمريكي، مما يعني إعادة دمج الخام الفنزويلي الثقيل في المصافي الأمريكية التي صُممت خصيصاً للتعامل معه. ومع ذلك، يتبنى تاماس فارغا، المحلل البارز في “PVM Oil”، نظرة واقعية تحذر من الإفراط في التفاؤل؛ إذ يرى أن تقييم الأثر الفعلي على ميزان العرض والطلب العالمي لا يزال في مراحله الجنينية.
وأوضح فارغا في تحليله: “إن المسألة لا تتعلق فقط بقدرة فنزويلا على الإنتاج، بل بوضع السوق الكلي؛ فالأمر الجلي هو أن إمدادات النفط ستكون كافية في عام 2026، سواء تمكنت فنزويلا من ضخ المزيد من النفط أم لا”. وتدعم هذه الرؤية نتائج استطلاع واسع أجرته رويترز، حيث توقع الخبراء أن تظل أسعار النفط تحت وطأة ضغوط هيكلية في 2026، مدفوعة بنمو قياسي في إنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك مقابل مؤشرات على ضعف الشهية العالمية للاستهلاك، لا سيما في القطاعات الصناعية الكبرى.
تحديات العودة للمستويات الإنتاجية الكبرى: معضلة البنية التحتية
تمتلك فنزويلا ثروة نفطية هائلة تتمثل في أكبر احتياطيات مؤكدة عالمياً بنحو 303 مليار برميل، لكن تحويل هذه الاحتياطيات إلى تدفقات نقدية يواجه عقبات لوجستية ومالية هائلة نتيجة سنوات من التدهور والفساد الإداري. وفي هذا السياق، قدمت شركة “ريستاد” (Rystad) للطاقة تحليلاً معمقاً يشرح هذه المعضلة:
- المدى القصير والقيود الفنية: التوقعات تشير إلى إمكانية إضافة 300 ألف برميل يومياً فقط خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، وهي كمية متواضعة مقارنة بالقدرات الكامنة، وذلك بسبب تهالك منصات الحفر وخطوط الأنابيب.
- معضلة التمويل والاستثمار الأجنبي: رغم أن شركة النفط الوطنية (PDVSA) قد تحاول تمويل بعض العمليات ذاتياً من مبيعاتها الحالية، إلا أن استعادة بريق فنزويلا النفطي والوصول لإنتاج 3 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2040 يتطلب تدفقات بمليارات الدولارات من رؤوس الأموال الدولية، وهو أمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستعادة الثقة في النظام القانوني والسياسي للبلاد.
- الفجوة الإنتاجية: يظهر الواقع الحالي حجم المأساة؛ فبعد أن كانت فنزويلا قوة ضاربة في السوق، بلغ متوسط إنتاجها العام الماضي 1.1 مليون برميل يومياً فقط، وهو ما يمثل ثلث قدراتها السابقة.
الاستثمار الأمريكي ومستقبل “أوبك”: تحالفات جديدة تحت المجهر
تتحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخطى حثيثة لاستغلال الفراغ السياسي الحالي، حيث تعتزم عقد سلسلة من الاجتماعات الرفيعة مع قادة كبرى شركات النفط الأمريكية لبحث سبل “إعادة إحياء” القطاع النفطي الفنزويلي.
هذه التحركات ليست اقتصادية فحسب، بل هي استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على مصادر أخرى وزيادة المعروض العالمي للتحكم في معدلات التضخم. ويتوقع المحللون أن هذا الدعم الفني والمالي الأمريكي قد يسهم في رفع الإنتاج بمقدار نصف مليون برميل يومياً في غضون عامين، مما قد يغير موازين القوى داخل منظمة “أوبك” ويعيد رسم سياسات الإنتاج الجماعية.
الهند وروسيا: جبهة جديدة تزيد من تعقيد المشهد
لم تتوقف الضغوط عند حدود القارة الأمريكية، بل امتدت لتشمل القارة الآسيوية؛ حيث أرسلت شركة “ريلاينس إندستريز” الهندية إشارة قوية للأسواق بإعلانها عدم توقع استلام شحنات من الخام الروسي في يناير. هذا التراجع ليس مجرد قرار تجاري، بل هو انعكاس للضغوط الجيوسياسية، حيث هددت الإدارة الأمريكية بفرض تعريفات جمركية عقابية على الهند إذا استمرت في توفير شريان حياة مالي لموسكو عبر مشتريات الطاقة.
هذا التحول المفاجئ في بوصلة الواردات الهندية يعني أن نيودلهي ستبحث عن بدائل، مما قد يؤدي إلى إعادة توجيه تدفقات النفط العالمية وخلق تذبذبات جديدة في أسعار النفط؛ فخروج المشتري الهندي من السوق الروسية قد يضطر موسكو لخفض أسعارها أكثر أو تقليص إنتاجها، مما يضيف طبقة معقدة من الضبابية على آفاق العام الجاري.
في الختام، يجد المتابع لسوق الطاقة أن أسعار النفط تقف الآن في منطقة رمادية؛ فمن جهة هناك وفرة عرض عالمية تلوح في الأفق لعام 2026 قد تدفع الأسعار نحو الهبوط، ومن جهة أخرى هناك آمال بإعادة هيكلة قطاع النفط الفنزويلي وتحولات مفاجئة في سياسات الاستيراد الآسيوية. سيبقى المستثمرون في حالة ترقب شديد لنتائج اجتماعات البيت الأبيض مع شركات النفط، ولأي إشارات تدل على سرعة دوران عجلة الاستثمار في حقول “أورينوكو” الفنزويلية، إذ أن أي تسارع في هذا الملف قد يمثل “البجعة السوداء” التي ستحدد اتجاه الأسعار للمرحلة المقبلة.
اقرأ أيضا…



