أخبار الأسواقاخبار اقتصادية

قطاع التصنيع الأمريكي ينهي 2025 عند أدنى مستوى في 14 شهرا

سجل قطاع التصنيع في الولايات المتحدة انكماشاً غير متوقع في نهاية عام 2025، ليصل إلى أدنى مستوياته منذ أكتوبر 2024. ووفقاً لبيانات معهد إدارة التوريدات (ISM)، فإن هذا التراجع يمثل الشهر العاشر على التوالي من الانكماش، مدفوعاً بضغوط الرسوم الجمركية المكثفة التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، وارتفاع تكاليف المدخلات التي أثقلت كاهل المنتجين، وتراجع الطلبات الجديدة التي تعكس حالة من الحذر لدى المستهلكين والشركات على حد سواء.

مؤشر مديري المشتريات الصناعي (PMI): أرقام تثير القلق

أشار تقرير معهد إدارة التوريدات الصادر مؤخراً إلى انخفاض مؤشر مديري المشتريات الصناعي (PMI) إلى 47.9 نقطة في ديسمبر 2025، نزولاً من قراءة نوفمبر التي بلغت 48.2 نقطة. وتعد هذه القراءة دون مستوى الـ 50 نقطة المحوري —الذي يفصل بين النمو والانكماش— كما أنها جاءت مخيبة لآمال المحللين في “رويترز” الذين توقعوا استقرار المؤشر عند 48.4 نقطة.

ويمثل قطاع التصنيع نحو 10.1% من إجمالي الاقتصاد الأمريكي، مما يجعل استمرار هذا الانكماش لعشرة أشهر متتالية إشارة سلبية حول قدرة القطاع على الصمود أمام التحديات الهيكلية الراهنة. إن هذا التدهور المستمر لا يعكس مجرد تباطؤ مؤقت، بل يشير إلى أزمة عميقة في سلاسل التوريد المحلية التي باتت تعاني من “اختناق التكاليف” المتصاعد.

الرسوم الجمركية: السيف ذو الحدين وآثارها التدميرية

على الرغم من ترويج الإدارة الأمريكية للرسوم الجمركية كوسيلة حيوية لحماية الصناعة المحلية واستعادة مجد “صُنع في أمريكا”، إلا أن البيانات الواقعية بدأت تظهر نتائج عكسية ومقلقة:

  1. ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج: قفز متوسط الرسوم الجمركية على السلع والمدخلات المستوردة إلى قرابة 17%، وهو ارتفاع هائل مقارنة بنسبة لم تكن تتجاوز 3% قبل عودة ترامب للبيت الأبيض في يناير الماضي. هذا الارتفاع أجبر المصانع على الاختيار بين تقليص هوامش ربحها أو رفع أسعارها النهائية.
  2. تآكل الطلب والقدرة الشرائية: استقر مؤشر الطلبات الجديدة عند 47.7 نقطة، مسجلاً انكماشاً للشهر العاشر خلال العام الأخير. ويعود هذا التراجع بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المستهلك النهائي، مما أدى إلى برود في الأسواق المحلية وتراكم المخزونات غير المباعة.
  3. التضخم المستمر وعناد الأسعار: ظل مؤشر الأسعار المدفوعة مرتفعاً عند 58.5 نقطة، متجاوزاً التوقعات التي كانت عند 57.0. هذا “التضخم الصناعي” يضع الاحتياطي الفيدرالي في مأزق حقيقي، حيث يظل التضخم بعيداً عن مستهدف الـ 2%، مما قد يدفع البنك المركزي للإبقاء على معدلات الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما يزيد من تكلفة الاقتراض للمصانع.

أزمة التوظيف: أطول ركود في 5 سنوات وتبعاته الاجتماعية

لم تقتصر الأزمة على معدلات الإنتاج فحسب، بل امتدت لتحدث تصدعات في سوق العمل الصناعي؛ حيث سجل التوظيف في المصانع انخفاضاً للشهر الحادي عشر على التوالي. ويُعد هذا أطول ركود في التوظيف يشهده القطاع منذ نحو خمس سنوات، مما يشير إلى أن الشركات لم تعد قادرة على الحفاظ على كوادرها البشرية في ظل تراجع الطلب وارتفاع المصاريف التشغيلية.

وبحسب بيانات مكتب إحصاءات العمل، فإن مستويات التوظيف في نوفمبر وصلت إلى القاع الأسفل لها منذ مارس 2022. هذه الأرقام تعكس واقعاً مريراً؛ فالمصانع لا تواجه فقط نقصاً في الطلبات، بل تعاني أيضاً من مشكلات هيكلية مثل نقص العمالة الماهرة التي عزفت عن القطاع بسبب عدم استقراره، مما يجعل عملية “النهضة الصناعية” التي تنشدها الإدارة أمراً في غاية الصعوبة.

استشراف عام 2026: الذكاء الاصطناعي مقابل الرسوم الجمركية

رغم هذه الصورة القاتمة لقطاع التصنيع التقليدي، يظهر الاقتصاد الأمريكي مرونة مفاجئة، حيث يتوقع الخبراء نمواً سنوياً بنسبة 4.3%. هذه المفارقة الاقتصادية تعود لعاملين رئيسيين:

  • طفرة الذكاء الاصطناعي السيادية: الاستثمارات الهائلة في مراكز البيانات والبنية التحتية التكنولوجية تعمل كمحرك نمو جبار يعوض ترهل القطاعات التقليدية. فالطلب على الرقائق والحلول الذكية ينمو بمعدلات فلكية، مما يخلق اقتصاداً موازياً قوياً.
  • التحفيز الضريبي المرتقب: يراهن المستثمرون على أن التخفيضات الضريبية التي وعد بها ترامب ستوفر السيولة اللازمة للشركات لتجاوز أزمة التكاليف، على الرغم من أن هذه السياسات قد تستغرق وقتاً طويلاً لتظهر نتائجها على أرض الواقع في صالات الإنتاج.

ترقب لقرار المحكمة العليا: لحظة الحقيقة

يتجه أنظار المراقبين نحو مطلع عام 2026، حيث من المقرر أن تصدر المحكمة العليا الأمريكية قراراً تاريخياً بشأن قانونية الرسوم الجمركية الواسعة. فخلال جلسات الاستماع في نوفمبر الماضي، أبدى القضاة شكوكاً واضحة تجاه الأسس القانونية التي استند إليها ترامب لفرض هذه الرسوم.

وفي حال صدور حكم ببطلان هذه الرسوم، قد يشهد السوق موجة من الاضطراب والتقلبات؛ حيث يُتوقع أن يتجه البيت الأبيض فوراً نحو تكتيكات تجارية بديلة وأكثر عدوانية لتجنب الهزيمة السياسية، مما سيزيد من ضبابية المشهد أمام مديري المصانع الذين يحاولون التخطيط لعام 2026 في بيئة غير مستقرة سياسياً وتشريعياً.

ختاما يواجه قطاع التصنيع الأمريكي اليوم ما يمكن وصفه بـ “العاصفة الكاملة”؛ حيث تتقاطع الرسوم الجمركية المرتفعة مع تضخم التكاليف ونقص العمالة. وبينما يستمر الاقتصاد الكلي في النمو مدفوعاً بذكاء الآلة والتحفيز المالي، يبقى المصنع التقليدي هو الحلقة الأضعف، بانتظار معجزة تشريعية أو قضائية تعيد له توازنه المفقود.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى