أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

فنزويلا في عين العاصفة: كيف أدى الحصار الأمريكي إلى شلل قطاع النفط وتوقف الإنتاج؟

تشهد فنزويلا، المالكة لأكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، منخفضا حادا في نشاطها الاقتصادي هو الأخطر منذ عقود. ففي ظل الأزمة السياسية المتفجرة التي أعقبت اعتقال القوات الأمريكية للرئيس نيكولاس مادورو، بدأت شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) فعلياً في تقليص إنتاج الخام بمعدلات متسارعة. هذا القرار لم يكن اختيارياً، بل جاء مدفوعاً بنفاد كامل للقدرات التخزينية المتاحة، وتشديد الحصار البحري الأمريكي الذي هوى بالصادرات إلى مستويات دنيا غير مسبوقة تقترب من الصفر المطلق.

اختناق التخزين والجمود العملياتي

تواجه شركة (PDVSA) اليوم معضلة لوجستية مركبة؛ فمع توقف تدفق الناقلات، لم تعد الشركة قادرة على تصريف إنتاجها اليومي، مما أدى إلى تراكم المخزونات بشكل تجاوز الخطوط الحمراء. ومع وصول مرافق التخزين البرية إلى ذروة استيعابها التي تتجاوز 45% من طاقتها القصوى البالغة 48 مليون برميل، اضطرت الشركة لاتخاذ تدابير قاسية شملت:

  1. التخزين العائم والجمود البحري: تم تحويل ناقلات النفط الضخمة إلى مستودعات عائمة، حيث يقبع أكثر من 17 مليون برميل في عرض البحر بانتظار تصاريح مغادرة لن تأتي في ظل الرقابة الأمريكية الصارمة. هذا الجمود يعطل أيضاً حركة السفن المخصصة للاستهلاك المحلي.
  2. تعطيل الحقول والآبار: بدأت الشركة بإغلاق قسري لحقول نفطية كاملة ومجموعات من الآبار (Well Clusters). هذا الإغلاق يحمل مخاطر فنية بعيدة المدى، إذ إن إعادة تشغيل الآبار المهجورة تقنياً يتطلب تكاليف باهظة وصيانة دقيقة قد لا تتوفر مستقبلاً.
  3. أزمة المخففات الخانقة: تعتبر هذه الأزمة “القاتل الصامت” للإنتاج الفنزويلي؛ فالخام الفنزويلي “فائق الثقل” لا يمكن نقله عبر الأنابيب أو تصديره دون خلطه بمواد مخففة مثل “النافثا”. ومع تعثر وصول الشحنات الروسية والمنع الأمريكي الصارم، أصبحت شركة (PDVSA) تمتلك خاماً لا يمكنها حتى تحريكه من موقع إنتاجه إلى الموانئ.

الحظر النفطي الشامل: ضربة قاصمة لشريان الحياة

أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بوضوح أن “الحظر النفطي” على فنزويلا قد دخل حيز التنفيذ الشامل، وهي خطوة أنهت تماماً سياسة “الاستثناءات المرنة”. حتى شركة “شيفرون” (Chevron)، التي كانت تمثل النافذة الأخيرة لتدفق الخام الفنزويلي نحو المصافي الأمريكية بموجب تراخيص خاصة، أصبحت الآن خارج اللعبة. تشير بيانات الأقمار الصناعية وشبكات تتبع السفن إلى أن مياه فنزويلا خالية تماماً من حركة التصدير منذ نهاية الأسبوع الماضي، مما يحرم الحكومة الانتقالية من العملة الصعبة اللازمة لاستيراد الغذاء والدواء.

يحذر المحللون من أن توقف الإنتاج في المنبع سيؤدي حتماً إلى سلسلة من الانهيارات المتلاحقة في قطاعات حيوية:

  • أزمة الوقود الداخلية: توقف إنتاج الخام يعني توقف إمداد المصافي المحلية، وهو ما سيؤدي إلى شلل تام في حركة النقل والزراعة داخل البلاد، مما يفاقم الأزمة الإنسانية.
  • تعثر الديون الدولية: كانت فنزويلا تعتمد على شحنات النفط لسداد ديونها الضخمة للصين (عبر شركة CNPC). توقف هذه الشحنات يضع فنزويلا في حالة “تخلف عن السداد” فعلي ويهدد علاقاتها مع أكبر حلفائها الآسيويين.
  • انهيار البنية التحتية المتهالكة: تعاني المنشآت أصلاً من تبعات هجوم سيبراني وقع في ديسمبر الماضي ولم يتم التعافي منه بالكامل. ومع غياب السيولة النقدية، تصبح الصيانة الدورية مستحيلة، مما قد يؤدي إلى أضرار دائمة في الموانئ ومحطات الضخ.

انهيار دراماتيكي في صادرات النفط الفنزويلي

تكشف الأرقام عن حجم الكارثة؛ فبعد أن نجحت فنزويلا في رفع إنتاجها إلى 1.1 مليون برميل يومياً في نوفمبر الماضي، وصدرت ما يقارب 950 ألف برميل، أدت الضغوط الحالية إلى تقليص هذه الأرقام بنسبة تتجاوز 50% في غضون أسابيع قليلة. التوقعات لشهر يناير تبدو أكثر قتامة، حيث يرجح الخبراء أن تشهد الصادرات توقفاً شبه كامل إذا استمر غياب الناقلات عن ميناء “خوسيه” الاستراتيجي، وهو ما يعني خسارة فنزويلا لنحو مليار دولار شهرياً من العوائد المحتملة.

وتجد ديلسي رودريغيز، التي تترأس المشهد في المرحلة الانتقالية الحالية، نفسها في موقف لا تحسد عليه. فرغم النبرة المتفائلة في تصريحاتها الرسمية حول صمود قطاع الطاقة، إلا أن الحقائق على الأرض تظهر أن “سلاح النفط” الفنزويلي قد ارتد عكسياً. إن استمرار هذا الحصار يعني تجفيف منابع التمويل للحكومة، مما قد يضعف قبضتها على المؤسسات العسكرية والخدمية. إن المشهد الحالي ليس مجرد أزمة إنتاج، بل هو “اختناق اقتصادي” متكامل الأركان يضع مستقبل فنزويلا السياسي والاقتصادي على المحك، بانتظار إما انفراجة ديبلوماسية دولية أو انهيار بنيوي شامل.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى