أسعار الذهب تقفز لأعلى مستوى في أسبوع بدعم من الصراع الأمريكي الفنزويلي

شهدت أسعار الذهب قفزة دراماتيكية مع بداية تداولات الأسبوع، حيث اندفعت بأكثر من 2% لتسجل أعلى مستوياتها في أسبوع واحد. يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بموجة جديدة من الاضطرابات الجيوسياسية الحادة التي أعقبت العملية الأمريكية المفاجئة لإلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مما أحدث حالة من الصدمة في ردهات الأسواق المالية العالمية ودفع المستثمرين بشكل جماعي نحو التحوط بالمعدن الأصفر كأبرز “الملاذات الآمنة”.
قفزة نوعية في تداولات الذهب الفورية والآجلة
ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 2.4% ليصل إلى 4,433.29 دولاراً للأوقية، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ 29 ديسمبر الماضي. وتعكس هذه المستويات استعادة الذهب لزخمه القوي بعد أن كان قد لامس ذروة تاريخية غير مسبوقة عند 4,549.71 دولاراً في أواخر الشهر المنصرم، مما يشير إلى أن التصحيح السعري الذي شهده الذهب مؤخراً قد انتهى أمام قوة المخاطر السياسية الحالية.
ولم تقتصر المكاسب على السوق الفورية، بل امتدت لتشمل العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير، والتي ارتفعت بنسبة 2.6% لتستقر عند 4,443.70 دولاراً للأوقية. هذا التوافق بين العقود الآجلة والفورية يعكس توقعات المستثمرين باستمرار حالة عدم اليقين لفترة أطول، مما يعزز مراكز الشراء الطويلة.
الأسباب الجيوسياسية وراء اشتعال أسعار الذهب
يرى المحللون أن التصعيد الأخير بين واشنطن وكاراكاس ليس مجرد حدث عابر، بل هو محرك استراتيجي لإعادة تقييم المخاطر في القارة الأمريكية. وفي هذا السياق، صرح زين فودا، المحلل لدى MarketPulse by OANDA، قائلاً: “الذهب يستفيد بشكل مباشر من التصعيد الأمريكي الفنزويلي، حيث أدى ذلك لزيادة الطلب على المعدن النفيس كملاذ آمن في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على المشاركين في السوق الذين باتوا يخشون من توسع رقعة الصراع لتشمل جبهات إقليمية أخرى”.
وما زاد من حدة القلق هي التصريحات الصارمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي لم تكتفِ بالتهديد بضربات إضافية ضد فنزويلا، بل لوحت أيضاً بعمل عسكري محتمل ضد كولومبيا والمكسيك لتقليص تدفق المواد المخدرة. هذه التهديدات تفتح الباب أمام احتمالات صراع إقليمي أوسع في أمريكا اللاتينية، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل توريد الطاقة والمواد الخام، وهو ما يفسر الهروب الكبير نحو الذهب كأداة للتحوط ضد تقلبات العملات والأسهم.
أداء تاريخي: الذهب في سياق عام من المكاسب
يأتي هذا الارتفاع بعد عام استثنائي للمعدن الأصفر، حيث حقق الذهب مكاسب بنحو 64% في العام الماضي، وهي أكبر زيادة سنوية له منذ عام 1979. وتعود هذه المكاسب الملحوظة إلى مزيج معقد من العوامل الاقتصادية والنقدية:
- سياسة الفيدرالي الأمريكي: أدت سلسلة خفض أسعار الفائدة إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً، مما جعله أكثر جاذبية مقارنة بالسندات.
- التوترات الجيوسياسية المتلاحقة: من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، أصبحت المخاطر السياسية هي القاعدة وليس الاستثناء، مما خلق طلباً مستداماً على التحوط.
- مشتريات البنوك المركزية الكبرى: استمرت المصارف المركزية في تنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار، حيث سجلت المشتريات مستويات قياسية ساهمت في خلق “أرضية سعيرية” صلبة لأسعار الذهب.
- تدفقات صناديق المؤشرات (ETFs): شهدت صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب إقبالاً كثيفاً من المستثمرين الأفراد والمؤسسات، مما زاد من عمق السوق وسيولته.
نظرة على المعادن الثمينة الأخرى: الفضة والبلاتين
لم تكن أسعار الذهب هي الوحيدة التي تألقت في هذا السباق الصعودي، بل انتقلت العدوى إلى بقية المعادن الثمينة التي سجلت أداءً قوياً يعكس تفاؤل القطاع الصناعي والاستثماري معاً:
- الفضة: قفزت بنسبة 4.9% لتصل إلى 76.18 دولاراً للأوقية، بعد أن سجلت رقماً قياسياً عند 83.62 دولاراً مؤخراً. يذكر أن الفضة حققت ارتفاعاً مذهلاً بنسبة 147% العام الماضي، مدفوعة بنقص الإمدادات وزيادة الطلب على التقنيات الخضراء، بالإضافة إلى تصنيفها كـ “معدن استراتيجي حرج” في الولايات المتحدة.
- البلاتين: سجل مكاسب بنسبة 3.5% ليصل إلى 2,218.50 دولاراً، مستفيداً من آمال الانتعاش الصناعي وزيادة الطلب في قطاع السيارات.
- البلاديوم: لم يتخلف عن الركب، حيث ارتفع بنسبة 2.1% ليبلغ 1,672.93 دولاراً، مدعوماً بمخاوف نقص الإمدادات العالمية.
التوقعات المستقبلية ومراقبة بيانات التوظيف
تتجه أنظار المستثمرين حالياً بصورة حثيثة نحو يوم الجمعة المقبل، حيث سيصدر تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة لشهر ديسمبر. وتعتبر هذه البيانات حاسمة للحصول على إشارات أوضح بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ومع توقع الأسواق لخفضين إضافيين على الأقل لأسعار الفائدة خلال العام الجاري، وبقاء التوترات السياسية في أمريكا اللاتينية مشتعلة، يرى المحللون أن أي بيانات اقتصادية ضعيفة قد تكون بمثابة الوقود الذي يدفع أسعار الذهب لاختراق مستويات قياسية جديدة فوق حاجز 4,600 دولاراً للأوقية في المدى القريب.
اقرأ أيضا…



