أسعار النفط تستهل عام 2026 بالاستقرار

استهلت أسعار النفط تعاملات اليوم الأول من عام 2026 بحالة من الاستقرار النسبي المائل للترقب، حيث يسعى المستثمرون جاهدين للموازنة بين معادلة معقدة طرفاها مخاوف وفرة الإمدادات العالمية المتزايدة وتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية التي تهدد أمن سلاسل التوريد الحيوية. يأتي هذا الهدوء الحذر بعد أن طوت الأسواق صفحة عام 2025 مسجلة أكبر خسارة سنوية لها منذ أزمة عام 2020، مما وضع المنتجين والمستهلكين أمام واقع سعري جديد يتطلب استراتيجيات مرنة.
أداء العقود الآجلة في مطلع العام
شهدت تداولات مطلع يناير ثباتاً لافتاً في العقود الآجلة، حيث عكست التحركات المحدودة حالة “انتظار ما ستسفر عنه الأحداث” لدى الصناديق الاستثمارية:
- خام برنت: سجل تراجعاً طفيفاً للغاية بمقدار 4 سنتات ليصل إلى 60.81 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يعكس تآكل “علاوة المخاطر” تدريجياً مقابل وفرة المعروض.
- خام غرب تكساس (WTI): تراجع بمقدار 3 سنتات فقط ليستقر عند 57.39 دولاراً للبرميل، مما يشير إلى ضيق الهامش السعري بين الخامين القياسيين.
هذه المستويات السعرية تأتي كارتداد طبيعي بعد عام 2025 الذي اتسم بالاضطراب، حيث فقدت المؤشرات القياسية نحو 20% من قيمتها. وكان هذا التراجع مدفوعاً بشكل أساسي بتباطؤ النمو في الاقتصادات الكبرى والسياسات الحمائية التي فرضتها التعريفات الجمركية، مما طغى على أي انقطاعات محتملة في الإمدادات.
الصراعات الجيوسياسية: محرك أساسي وضابط لإيقاع أسعار النفط
على الرغم من عوامل الضغط النزولية، تظل المخاطر السياسية هي “صمام الأمان” أو الداعم الأبرز الذي يمنع انهيار أسعار النفط إلى مستويات ما دون الخمسين دولاراً. ومن أبرز الملفات التي تفرض ثقلها على طاولة التداول:
1. تصعيد الحرب الأوكرانية-الروسية وتأثيرها
رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تقودها الإدارة الأمريكية لإنهاء الصراع الذي دخل عامه الرابع، إلا أن الواقع الميداني لا يزال يغذي القلق في الأسواق. لقد انتقلت كييف إلى مرحلة “حرب البنية التحتية”، حيث استهدفت بشكل استراتيجي منشآت تكرير وتخزين الطاقة الروسية. هذا النهج لا يهدف فقط إلى شل حركة الآلة العسكرية لموسكو، بل يضع ضغوطاً مباشرة على الصادرات الروسية، مما يبقي احتمالية حدوث نقص فجائي في الإمدادات الأوروبية قائمة وبقوة.
2. تشديد الخناق على فنزويلا
لم تتراجع واشنطن عن سياسة “الضغط الأقصى” على قطاع الطاقة الفنزويلي. العقوبات الأخيرة التي استهدفت شركات شحن دولية وناقلات نفط تسببت في عرقلة لوجستية لتدفقات النفط الخام الثقيل من أمريكا اللاتينية. هذا التضييق يقلص من قدرة السوق على استيعاب أي نقص في خامات مشابهة، مما يعزز من تماسك أسعار النفط في العقود قصيرة الأجل.
3. أزمة الملاحة والإنتاج في الشرق الأوسط
تراقب الأسواق بحذر تعمق الخلافات داخل البيت الواحد لمنظمة “أوبك”. الأزمة الأخيرة المتعلقة باليمن وتوقف الملاحة الجوية في مطار عدن تعكس حالة من عدم اليقين الجيوسياسي في منطقة تضم أهم ممرات الطاقة العالمية. هذه التطورات تضع اجتماع “أوبك بلس” المقبل في 4 يناير تحت مجهر التدقيق، حيث سيتعين على القادة الموازنة بين الحفاظ على وحدة المنظمة وضمان استقرار الأسواق.
توقعات أوبك بلس ودور الصين التحوطي في عام 2026
تجمع آراء المحللين، وفي مقدمتهم خبراء “Sparta Commodities”، على أن مجموعة “أوبك بلس” ستتبنى نهجاً محافظاً عبر مواصلة سياسة “التريث” والامتناع عن أي زيادات جوهرية في الإنتاج خلال الربع الأول من العام الحالي.
ويرى المحللون أن عام 2026 سيكون الاختبار الحقيقي لقدرة التحالف على إدارة “فائض الإنتاج” العالمي. وفي هذا السياق، تبرز الصين كلاعب استراتيجي؛ حيث يُتوقع أن تستمر بكين في استغلال المستويات السعرية الحالية لتعزيز مخزوناتها الاستراتيجية. هذا الطلب الصيني “التحوطي” سيعمل كشبكة أمان تمنع أسعار النفط من الانزلاق الحر، ويوفر نوعاً من الدعم الفني للمستويات السعرية الحالية.
رؤية تحليلية: هل نحن أمام عام من “الركود السعري”؟
بعد ثلاث سنوات من الخسائر المتتالية لخام برنت، وهي السلسلة الأطول في سجلات التداول التاريخية، يرجح المحللون في مؤسسات دولية مثل “DBS” و”Phillip Nova” أن يشهد عام 2026 ما يمكن وصفه بـ “الاستقرار البارد”.
تشير القراءات الفنية إلى أن أسعار النفط ستبقى أسيرة نطاق ضيق يتراوح بين 60 و65 دولاراً للبرميل. هذا النطاق السعري ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تعادل القوى بين عوامل الهبوط المرتبطة بوفرة المعروض العالمي وضعف الطلب الصناعي، وعوامل الارتفاع المرتبطة بالانفجارات الجيوسياسية المفاجئة. وبالتالي، فإن أي تحرك خارج هذا النطاق سيتطلب إما اختراقاً دبلوماسياً كبيراً لإنهاء الحروب القائمة، أو صدمة اقتصادية عالمية غير متوقعة.
اقرأ أيضا…



