الدولار الأمريكي يسجل أسوأ أداء سنوي منذ 2017: هل يستمر النزيف في 2026؟

دخلت الأسواق المالية العالمية يومها الأخير من عام 2025 بمشهد اقتصادي مغاير تماماً للتوقعات المتفائلة التي سادت في مطلع العام. وبينما يحاول الدولار الأمريكي التماسك بصعوبة في تداولات يوم الأربعاء الأخير، إلا أن البيانات الختامية تكشف عن واقع مرير؛ إذ تتجه العملة الخضراء لتسجيل أكبر انخفاض سنوي لها منذ عام 2017. هذا التراجع ليس مجرد تقلب عابر، بل هو نتيجة مزيج معقد من الضغوط المالية، والتحولات في السياسة النقدية، والتوجهات التجارية غير التقليدية التي ميزت عام 2025.
أداء الدولار الأمريكي في عام 2025: أرقام وحقائق
شهد مؤشر الدولار الأمريكي (DXY)، الذي يقيس قوة العملة أمام سلة من ست عملات عالمية رئيسية، تراجعاً حاداً بنسبة 9.4% على مدار العام. ورغم الارتفاع الطفيف الذي شهده في الجلسات الختامية ليصل إلى مستوى 98.35، إلا أن هذا الصعود يُنظر إليه كمجرد “تصحيح فني” قصير الأمد، حيث تظل النظرة المستقبلية العامة سلبية (Bearish) لدى غالبية بيوت الخبرة العالمية.
العوامل الجوهرية وراء ضعف الدولار وتداعياتها:
- أزمة استقلالية الاحتياطي الفيدرالي: تصدرت المخاوف بشأن “تسييس” السياسة النقدية المشهد الاقتصادي. ومع إعلان الرئيس دونالد ترامب عزمه تسمية خليفة لـ “جيروم باول” في يناير المقبل، يسود القلق من أن يفقد البنك المركزي استقلاليته التاريخية، مما أضعف ثقة المستثمرين الأجانب في استقرار السياسة المالية الأمريكية على المدى الطويل.
- دورة خفض الفائدة وتآكل العوائد: أدت التخفيضات المتتالية لأسعار الفائدة من قبل الفيدرالي إلى تضييق فجوة العوائد بين السندات الأمريكية ونظيراتها العالمية. هذا التقلص جعل الدولار الأمريكي أقل جاذبية للمستثمرين الباحثين عن عوائد مرتفعة، مما أدى إلى خروج تدفقات نقدية ضخمة نحو أسواق بديلة.
- السياسات التجارية والغموض الجيوسياسي: اتسمت السياسة التجارية الأمريكية في 2025 بالعدائية والتقلب، مما خلق حالة من عدم اليقين في سلاسل التوريد العالمية. تاريخياً، كان الدولار يستفيد من حالة عدم اليقين، ولكن في 2025، أدت هذه السياسات إلى إثارة مخاوف من “عزلة اقتصادية” تضعف مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية أولى.
اليورو يتألق والعملات الأوروبية تقود الرالي
في المقابل، كان عام 2025 بمثابة “النهضة الثانية” للعملات الأوروبية التي استغلت ضعف الدولار الأمريكي لتسجيل مكاسب قياسية.
- اليورو: قاد القارة العجوز بقفزة هائلة بلغت 13.4%، ليتم تداوله عند مستويات 1.1736 دولار. هذا الارتفاع لم يكن مجرد ضعف للدولار، بل عكس أيضاً استقراراً نسبياً في منطقة اليورو وتحسناً في ميزانها التجاري.
- الجنيه الإسترليني: أظهر صموداً لافتاً محققاً مكاسب بنسبة 7.5% ليصل إلى 1.3434 دولار، مدعوماً ببيانات اقتصادية بريطانية فاقت التوقعات وثبات في السياسة النقدية لبنك إنجلترا.
- الفرنك السويسري والكرونة السويدية: برزا كوجهات استثمارية بديلة، حيث ارتفعا بنسبة 14% و20% على التوالي، مما يعكس رغبة المستثمرين في تنويع محافظهم بعيداً عن العملة الأمريكية المتقلبة.
العملات الآسيوية: اليوان يكسر الحواجز والين يغرد خارج السرب
شهدت القارة الآسيوية تحولات هيكلية في موازين القوى المالية. فقد نجح اليوان الصيني في اختراق الحاجز النفسي والتقني الهام (7 يوان لكل دولار) لأول مرة منذ أكثر من عامين، محققاً نمواً سنوياً بنسبة 4.4%، وهو ما يعكس محاولات بكين لتعزيز مكانة عملتها دولياً رغم الضغوط التجارية الأمريكية.
أما الين الياباني، فقد ظل “اللغز المحير” في عام 2025. فرغم قيام بنك اليابان برفع أسعار الفائدة في يناير وديسمبر، إلا أن الين فشل في مجاراة قوة أقرانه، واستقر عند 156.61 مقابل الدولار الأمريكي. ويرى الخبراء أن هذا الضعف النسبي يعود إلى الفجوة الكبيرة التي لا تزال قائمة في مستويات الفائدة الحقيقية بين اليابان وبقية العالم، إضافة إلى حذر البنك المركزي الشديد الذي جعل الأسواق تشكك في استمرارية دورة التشديد.
توقعات عام 2026: هل يستمر سيناريو “بيع الدولار”؟
تؤكد البيانات الصادرة عن لجنة تداول العقود الآجلة للسلع (CFTC) أن كبار المستثمرين لا يزالون يراهنون على هبوط الدولار الأمريكي، مع استمرار مراكز البيع الصافية منذ الربع الثاني من 2025.
السيناريوهات المحتملة في 2026:
- تباين الرؤى حول الفيدرالي: بينما يسعر المتداولون خفضين إضافيين للفائدة في 2026، يتبنى البنك المركزي نبرة أكثر تحفظاً (خفض واحد فقط)، وهذا التباين سيكون المحرك الرئيسي للتقلبات في الربع الأول.
- عودة الين كملاذ آمن: يتوقع استراتيجيون في “MUFG” أن تباطؤ النمو الأمريكي وانخفاض عوائد السندات الطويلة الأجل سيجعل الين الياباني وجهة جذابة مجدداً، مما قد يؤدي إلى تصحيح حاد في زوج (دولار/ين).
- تألق العملات السلعية: من المتوقع أن يواصل الدولار الأسترالي زخمه الإيجابي، خاصة إذا استمر استقرار أسعار السلع الأساسية، بعد أن سجل في 2025 أفضل أداء له منذ خمس سنوات.
العملات الرقمية: بتكوين تنهي العام في منطقة التصحيح
على عكس التوقعات التي كانت تراهن على وصولها لمستويات خيالية، سجلت البتكوين أول تراجع سنوي لها منذ عام 2022. فقدت العملة المشفرة الأكبر 5.5% من قيمتها لتستقر عند 88,583 دولار، وهي حالياً تتداول بخصم 30% عن ذروتها المسجلة في أكتوبر. هذا التراجع يعكس جزئياً تحول السيولة نحو الأصول التقليدية (مثل اليورو) والذهب مع زيادة مخاطر الركود في الاقتصادات الكبرى.
يودع الدولار الأمريكي عام 2025 وهو في موقف دفاعي لم يشهده منذ سنوات. إن التحول من “قوة الدولار المطلقة” إلى “ضعف الدولار الممنهج” يفتح آفاقاً جديدة لتنويع الاستثمارات. ومع دخولنا عام 2026، ستكون عين المستثمر على هوية رئيس الفيدرالي الجديد وعلى مدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تجنب “الهبوط الخشن”، حيث تظل العملات الأوروبية والآسيوية (باستثناء الين حالياً) هي المستفيد الأكبر من هذا المشهد الاقتصادي المتغير.
اقرأ أيضا…



