محضر الفيدرالي الأمريكي يظهر انقسام حاد بين أعضائه: هل انتهى عصر خفض الفائدة السريع؟

كشف محضر اجتماع الفيدرالي الأمريكي الأخير عن حالة غير مسبوقة من الانقسام الجوهري بين أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، مما يضع الأسواق العالمية أمام تساؤلات مصيرية حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية في الولايات المتحدة. فرغم إقرار خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، إلا أن كواليس الاجتماع عكست صراعاً تقنياً وفلسفياً خفياً بين الرغبة في دعم استقرار سوق العمل ومخاوف الانزلاق مجدداً في دوامة التضخم العنيد الذي يرفض الهبوط للمستويات المستهدفة.
تفاصيل قرار الفيدرالي الأمريكي: تصويت تاريخي ومعارضة متزايدة
شهد الاجتماع الأخير للفيدرالي الأمريكي (المنعقد في 9-10 ديسمبر) تصويتاً دراماتيكياً انتهى بنتيجة 9 أصوات مقابل 3 لصالح خفض أسعار الفائدة لتصل إلى نطاق 3.5% – 3.75%. وتكمن أهمية هذه المعارضة (3 أصوات) في كونها الأعلى منذ عام 2019، مما يعكس تآكل “الإجماع” الذي ميز حقبة الجائحة، ويشير بوضوح إلى أن القرار كان “على المحك” ويخضع لمقايضات صعبة خلف الأبواب المغلقة.
لماذا انقسم أعضاء الفيدرالي الأمريكي؟
يرجع هذا التصدع في وحدة الرأي داخل أروقة الفيدرالي الأمريكي إلى تباين الرؤى حول الأولويات الاقتصادية الراهنة:
- حتمية دعم التوظيف: يتبنى الفريق المؤيد للخفض (الأغلبية) وجهة نظر مفادها أن التأخر في تيسير السياسة النقدية قد يؤدي إلى “هبوط خشن” للاقتصاد. ويرون ضرورة استباق أي تباطؤ حاد في سوق العمل، خاصة مع ظهور بيانات تشير إلى هدوء وتيرة التوظيف واكتفاء الشركات بالعمالة الحالية دون توسع حقيقي، مما يجعل مخاطر التوظيف تفوق مخاطر التضخم في نظرهم.
- هاجس التضخم المستدام: على الجانب الآخر، أبدى الفريق المعارض (الأقلية المتشددة) قلقاً عميقاً من أن التقدم نحو هدف التضخم بنسبة 2% قد دخل في حالة “جمود” خلال عام 2025. ويحذر هؤلاء من أن استمرار خفض الفائدة في ظل نمو اقتصادي قوي (بلغ 4.3% في الربع الثالث) قد يؤدي إلى اشتعال الأسعار مجدداً، مما يضطر البنك لاحقاً لرفع الفائدة بشكل أعنف، وهو سيناريو يودون تجنبه عبر التمهل الآن.
التوقعات المستقبلية: “نقطة التعادل” وسياسة الانتظار الحذر
وفقاً لـ “مخطط النقاط” (Dot Plot) المحدث الذي يصدره الفيدرالي الأمريكي فصلياً، رسم المسؤولون مساراً يتسم بالبطء الشديد؛ حيث أشاروا إلى احتمالية إجراء خفض إضافي واحد فقط في عام 2026 يليه خفض آخر في 2027. الهدف النهائي هو الوصول بمعدل الفائدة إلى مستويات 3%، وهي النقطة التي يصنفها البنك بأنها “معدل محايد” لا يقمع النشاط الاقتصادي ولا يدفعه لنمو مفرط.
ومع ذلك، تضمن المحضر إشارات واضحة إلى رغبة قطاع من الأعضاء في اعتماد استراتيجية “التوقف والمراقبة”. وتستند هذه الرغبة إلى عوامل جيوسياسية واقتصادية معقدة:
- ديناميكيات التعريفات الجمركية: ناقش الأعضاء باستفاضة كيف يمكن لسياسات الإدارة الأمريكية الجديدة المتعلقة بالتعريفات أن ترفع تكاليف الاستيراد، مما قد يترجم إلى ضغوط تضخمية مؤقتة لكنها قوية بما يكفي لعرقلة خطط خفض الفائدة.
- ضبابية البيانات الإحصائية: حذر المسؤولون من أن البيانات الاقتصادية الأخيرة قد لا تعكس الواقع بدقة، نظراً للفجوات الناتجة عن فترة إغلاق الحكومة السابقة، مما يجعل اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على أرقام “ناقصة” مغامرة غير محسوبة العواقب.
عودة التيسير الكمي: هندسة جديدة لاستقرار السيولة
في تطور تقني بارز، أقر الفيدرالي الأمريكي استئناف برنامج شراء السندات قصيرة الأجل (Treasury bills) بمعدل 40 مليار دولار شهرياً. هذه الخطوة لا تهدف إلى “تحفيز” الاقتصاد بالمعنى التقليدي كما حدث في الأزمات السابقة، بل هي إجراء “وقائي” لضمان سلاسة عمل أسواق النقد.
المخاوف هنا تتركز على انخفاض الاحتياطيات المصرفية لمستويات قد تسبب جفافاً في السيولة، وهو ما قد يؤدي إلى قفزات غير مبررة في أسعار الفائدة بين البنوك. لذا، يسعى الفيدرالي عبر هذا البرنامج إلى الحفاظ على نظام “الاحتياطيات الوفيرة”، مما يمنحه سيطرة أكبر على معدلات الفائدة في الأسواق دون الحاجة للتدخل المباشر العنيف.
تغيير الوجوه وتأثيره على فلسفة الفيدرالي في 2026
تترقب الأسواق المالية تحولاً جوهرياً في “مزاج” التصويت داخل الفيدرالي الأمريكي مع تغيير أربعة من رؤساء البنوك الإقليمية الذين يملكون حق التصويت الدوري. الأسماء الجديدة تميل في معظمها إلى “التشدد”، مما يعزز فرضية التباطؤ في خفض الفائدة:
- بيث هاماك (كليفلاند): تُعرف بكونها من أشد المعارضين للخفض، وترى أن الاقتصاد لا يزال قادراً على تحمل مستويات فائدة مرتفعة.
- لوري لوجان (دالاس) ونيل كاشكاري (مينياپوليس): كلاهما عبّر صراحة عن أن التسرع في التيسير النقدي قد يكون خطأً استراتيجياً سيكلف الاقتصاد غلياً في حال عودة التضخم.
هذا التغيير في التركيبة البشرية للجنة يعني أن الأغلبية التي دعمت خفض الفائدة مؤخراً قد تواجه ضغوطاً متزايدة، مما قد يجعل عام 2026 عاماً للثبات لا التغيير.
ختاما يؤكد محضر الاجتماع أن الفيدرالي الأمريكي لم يعد في عجلة من أمره. نحن ننتقل من مرحلة “الخفض للضرورة” إلى مرحلة “التحرك المشروط بالبيانات”. ورغم أن المتداولين قد يرفعون رهاناتهم على خفض في أبريل، إلا أن الرسالة المبطنة من الفيدرالي هي: “لا تأخذوا الخفض القادم كأمر مسلم به”. فالمسار نحو فائدة 3% لا يزال طويلاً ومليئاً بالعقبات الاقتصادية والسياسية.
اقرأ أيضا…



