أسعار النفط تسجل أطول سلسلة خسائر سنوية: تحليل شامل لتوقعات عام 2026

شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً مع اقتراب نهاية عام 2025، حيث تتجه العقود الآجلة لخام برنت نحو تسجيل أطول سلسلة من الخسائر السنوية في تاريخ الأسواق الحديث. يأتي هذا الهبوط التصحيحي مدفوعاً بمخاوف متزايدة بشأن وفرة المعروض العالمي وتراكم المخزونات التجارية، في عام استثنائي اتسم بالاضطرابات العسكرية المتنقلة، وفرض التعريفات الجمركية المرتفعة التي أعادت تشكيل خارطة التجارة الدولية، بالإضافة إلى التحولات الجذرية في استراتيجيات الإنتاج والدفاع عن الحصة السوقية داخل تحالف “أوبك+”.
أداء أسعار النفط في 2025: أرقام ودلالات اقتصادية
سجلت أسعار النفط تراجعاً إجمالياً تجاوزت نسبته 15% على مدار العام، مما يعكس حالة من ضعف الثقة في قدرة الاقتصاد العالمي على استهلاك الفائض المعروض. وبالنظر إلى خام برنت، المرجع العالمي، نجد أنه فقد نحو 18% من قيمته السوقية، وهي أكبر نسبة انخفاض سنوي يتم تسجيلها منذ عام 2020. هذا التراجع المستمر لثلاث سنوات متتالية ليس مجرد تذبذب سعري، بل هو مؤشر على ضغوط هيكلية عميقة تشمل تسارع وتيرة تحول الطاقة وتباطؤ النشاط الصناعي في الأقطاب الكبرى كالصين وأوروبا.
في الجلسات الأخيرة، استقرت العقود الآجلة لخام برنت عند مستويات 61.13 دولاراً للبرميل، بينما كافح خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) للحفاظ على مستوياته حول 57.75 دولاراً، متجهاً بدوره نحو انخفاض سنوي حاد بنسبة 19%. وتعكس هذه الأسعار أدنى متوسطات سنوية مسجلة منذ نصف عقد، مما يضع ضغوطاً هائلة على الميزانيات العامة للدول المصدرة التي تعتمد على أسعار تفوق 70 دولاراً لتحقيق التوازن المالي.
التوترات الجيوسياسية: محرك مؤقت في سوق متخم بالإمدادات
على الرغم من الاتجاه النزولي العام، إلا أن عام 2025 شهد فترات من التقلب الحاد نتيجة اشتعال بؤر التوتر في مناطق الإنتاج الرئيسية:
- تشديد العقوبات الأمريكية وتعطيل السلاسل: بدأت السنة بزخم مرتفع مع فرض الإدارة الأمريكية عقوبات صارمة استهدفت قطاع الطاقة الروسي، مما أدى إلى ارتباك في سلاسل التوريد التقليدية. هذا الاضطراب أجبر كبار المشترين في آسيا على إعادة هندسة مساراتهم اللوجستية، مما رفع تكاليف الشحن والتأمين، وخلق فوارق سعرية (Spreads) واسعة بين الخامات المختلفة.
- النزاعات الإقليمية وسلامة الممرات البحرية: أدت الحرب المستعرة في أوكرانيا واستهداف البنية التحتية للطاقة بواسطة الطائرات المسيرة إلى تعطيل الصادرات من منطقة بحر قزوين. كما شكل النزاع الإيراني الإسرائيلي في يونيو تهديداً وجودياً لسلامة الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره خُمس استهلاك النفط العالمي. يضاف إلى ذلك الأزمة المستجدة في اليمن بين السعودية والإمارات، والتي أضافت طبقة جديدة من التعقيد للمخاطر الجيوسياسية في قلب منطقة الخليج.
- عامل ترامب وسياسة “الضغط الأقصى”: زادت حدة القلق مع عودة سياسات الرئيس دونالد ترامب الذي أمر بفرض حصار شامل على صادرات النفط الفنزويلية ولوّح بضربات اقتصادية ضد المنشآت النفطية الإيرانية. هذه التحركات، رغم أنها تهدف لتقليص المعروض، إلا أنها قوبلت بزيادة في الإنتاج من مناطق أخرى، مما حدّ من قدرتها على رفع الأسعار بشكل مستدام.
وفرة المعروض مقابل ضعف الطلب: معضلة 2026 المستعصية
يرسم المحللون، وفي مقدمتهم جيسون ينغ من “بي إن بي باريبا”، صورة قاتمة للمدى القريب، حيث يتوقع أن تواصل أسعار النفط رحلة الهبوط لتلامس حاجز 55 دولاراً لبرميل برنت خلال الربع الأول من عام 2026. وتستند هذه التوقعات إلى معطيات هيكلية:
- مرونة النفط الصخري الأمريكي والتحوط المالي: أظهر المنتجون في الولايات المتحدة قدرة مذهلة على التكيف؛ فمن خلال عمليات التحوط (Hedging) المعقدة، تمكنوا من تثبيت أسعار بيع مستقبلية مرتفعة، مما يجعل إنتاجهم الحالي “محصناً” ضد الهبوط الآني للأسعار. هذا يعني أن الإنتاج الأمريكي سيظل يتدفق بقوة، مما يحرم “أوبك+” من ميزة التحكم في السعر عبر خفض المعروض.
- فجوة الفائض العالمي المتسعة: تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض محتمل يصل إلى 3.84 مليون برميل يومياً في 2026. هذا الفائض الضخم يعني أن أي انتعاش في الطلب سيتم امتصاصه فوراً من المخزونات القائمة، مما يحول دون حدوث أي “رالي” سعري قوي.
- تحديات سياسة أوبك+ والحصة السوقية: ضخ التحالف نحو 2.9 مليون برميل يومياً إضافية منذ أبريل الماضي في محاولة لاستعادة حصته السوقية. ومع ذلك، اصطدمت هذه الكميات بتبعات التعريفات الجمركية الأمريكية التي أبطأت نمو الطلب الصيني، مما وضع التحالف في حيرة بين حماية الأسعار أو حماية نفوذه في السوق.
ترقب لاجتماع “أوبك+” الاستراتيجي والسيناريوهات المطروحة
تتجه الأنظار الآن إلى الاجتماع المصيري لتحالف “أوبك+” في 4 يناير القادم. يرى مارتين راتس من “مورغان ستانلي” أن التحالف يواجه خيارات مريرة؛ فالتدخل لخفض الإنتاج قد يشجع منتجي النفط الصخري على التوسع أكثر، بينما الاستمرار في الإنتاج الحالي قد يدفع أسعار النفط نحو مستويات الخمسينات المنخفضة، وهو سيناريو “حرب أسعار” قد لا تتحمله ميزانيات العديد من الدول الأعضاء. السيناريو الأرجح هو استمرار حالة “التريث الحذر” مع مراقبة وثيقة لمستويات المخزونات العالمية.
تظل أسعار النفط في عام 2026 أسيرة صراع مستمر بين “أساسيات السوق” التي تميل بوضوح نحو الوفرة، وبين “المخاطر السياسية” التي توفر أرضية هشة للأسعار. إن التوازن بين الاستقرار السعري والحصة السوقية سيكون التحدي الأبرز، وفي ظل غياب صدمة طلب إيجابية أو تصعيد عسكري واسع يعطل الإمدادات بشكل دائم، فإن الضغوط النزولية ستظل هي السمة الغالبة على مشهد الطاقة العالمي.
اقرأ أيضا…



