الجنيه الإسترليني يحافظ على مكاسبه خلال تداولات اليوم
قراءة معمقة في استقرار العملة الملكية أمام الدولار واليورو

شهدت أسواق الصرف العالمية حالة من الهدوء الملحوظ خلال تداولات يوم الإثنين، حيث نجح الجنيه الإسترليني في ترسيخ أقدامه والحفاظ على مكتسباته الأخيرة، ليتداول بثبات قرب مستويات قياسية لم يختبرها منذ عدة أشهر. يأتي هذا الاستقرار في توقيت حساس يتسم بانخفاض أحجام التداول (Thin Trading) نتيجة عطلات نهاية العام، وغياب المحفزات الاقتصادية المباشرة، مما جعل التحركات السعرية تعتمد بشكل أساسي على التوقعات بعيدة المدى للسياسات النقدية.
أداء الجنيه الإسترليني مقابل العملات الرئيسية: قراءة في الأرقام
على صعيد التداولات مقابل العملة الخضراء، سجل الجنيه الإسترليني ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.07% ليصل إلى مستوى 1.35091 دولار. وعلى الرغم من أن هذا السعر يقل بفارق ضئيل عن ذروة الأشهر الثلاثة التي لامسها الأسبوع الماضي، إلا أن بقاءه فوق مستويات دعم رئيسية يعكس ثقة المستثمرين في مرونة الاقتصاد البريطاني وقدرته على امتصاص صدمات القوة المؤقتة للدولار.
أما في مواجهة العملة الأوروبية الموحدة، فقد أظهر الإسترليني تفوقاً نسبياً بتداوله عند 87.12 بنس لليورو. هذا الأداء يضع العملة البريطانية على مقربة من أقوى مستوياتها المسجلة منذ أكتوبر الماضي، وهو ما يشير إلى جاذبية الأصول المقومة بالإسترليني في ظل حالة عدم اليقين التي تخيم على بعض اقتصاديات منطقة اليورو، مما يعزز من مكانة “الإسترليني” كخيار استثماري مفضل في سلة العملات الرئيسية مع إغلاق الملفات المالية للعام الحالي.
بنك إنجلترا: المحرك الأساسي لثقة الأسواق والسياسة النقدية
يعزى هذا التماسك الهيكلي في قيمة الجنيه الإسترليني بشكل مباشر إلى مخرجات الاجتماع الأخير لبنك إنجلترا (BoE). فرغم إقدام صانعي السياسة النقدية على خفض أسعار الفائدة بعد تصويت اتسم بالندية والانقسام، إلا أن النبرة العامة للبنك كانت بعيدة كل البعد عن التيسير المفرط.
لقد بعث البنك المركزي البريطاني برسالة واضحة مفادها أن خفض تكاليف الاقتراض لن يكون سريعاً أو عشوائياً، بل سيخضع لمراقبة دقيقة لمعدلات التضخم المستمرة. هذا النهج الذي يوصف بـ “التدرج الحذر” دفع الأسواق إلى إعادة تقييم مراكزها، وتسعير بقاء الفائدة البريطانية عند مستويات “مرتفعة لفترة أطول” (Higher for Longer) مقارنة بالبنوك المركزية الكبرى الأخرى، وهو ما وفر شبكة أمان قوية حالت دون تراجع القوة الشرائية للعملة الملكية.
تباين السياسات: الإسترليني في مواجهة ضغوط الفيدرالي الأمريكي
عند التعمق في مقارنة المسارات، نجد أن الجنيه الإسترليني يستفيد من فجوة التوقعات بين لندن وواشنطن. فبينما يتبنى بنك إنجلترا نهجاً متريثاً، تزداد التكهنات بأن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يضطر لتسريع وتيرة التيسير النقدي في 2025 لمواجهة أي تباطؤ اقتصادي محتمل. هذا “التباين النقدي” (Monetary Divergence) يجعل الفارق في العوائد يميل لصالح الإسترليني، مما يشجع تدفقات رؤوس الأموال نحو المملكة المتحدة بحثاً عن عوائد حقيقية أفضل واستقرار نسبي في السياسة النقدية.
ماذا ينتظر سوق الإسترليني في يناير؟
في ظل الركود الحالي في أحجام التداول والذي قد يؤدي أحياناً إلى تقلبات سعرية مفاجئة غير مبررة أساسياً، تترقب الأسواق بحذر انقشاع ضباب العطلات للتركيز على البيانات الجوهرية في مطلع العام الجديد:
- مؤشرات نشاط التصنيع: المقررة يوم الجمعة المقبل، حيث ستمثل الاختبار الأول لمدى صمود القطاع الإنتاجي البريطاني في وجه أسعار الفائدة الحالية، وستعطي إشارة للمتداولين حول ما إذا كان الجنيه الإسترليني يستحق الاستمرار في مساره الصاعد.
- بيانات التضخم وسوق العمل: من المتوقع أن تكون هذه البيانات هي “بوصلة” شهر يناير الحقيقية؛ فاستمرار ضغوط الأجور أو بقاء تضخم الخدمات مرتفعاً سيعزز من موقف بنك إنجلترا المتشدد، وبالتالي قد يدفع الجنيه الإسترليني لاختبار مستويات مقاومة جديدة تفوق مستوياته الحالية.
حاليا يمر الجنيه الإسترليني بمرحلة “ثبات إيجابي” مدعوماً ببيئة نقدية محلية ترفض التنازل السريع عن المكتسبات، وظروف دولية تمنحه أفضلية نسبية. وإذا ما تزامنت البيانات الاقتصادية القادمة مع استمرار ضعف الدولار، فإن الطريق سيكون ممهداً أمام العملة الملكية لكسر حواجز سعرية هامة وبدء العام الجديد بزخم شرائي قوي.
اقرأ أيضا…



