الأسهم الأمريكية تحلق في مستويات قياسية: مؤشر S&P 500 ينهي الأسبوع بمكاسب قوية

حققت الأسهم الأمريكية إنجازاً تاريخياً جديداً بنهاية أسبوع التداول الحالي، حيث سجل مؤشر “إس آند بي 500” (S&P 500) مستويات قياسية غير مسبوقة تعكس الثقة المتزايدة في متانة الاقتصاد. يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بتفاؤل المستثمرين مع عودتهم من عطلة عيد الميلاد، وسط توقعات متفائلة بما يعرف بـ “رالي بابا نويل” (Santa Claus Rally)، وهو النمط الذي طالما منح الأسواق دفعة قوية في اللحظات الأخيرة من العام.
أداء المؤشرات الرئيسية للأسهم الأمريكية
شهدت تداولات يوم الجمعة وصول مؤشر S&P 500 إلى ذروة جديدة عند مستوى 6,945.77 نقطة، محققاً ارتفاعاً بنسبة 0.2% خلال الجلسة، وهو ما يعكس استقراراً نسبياً رغم ضغوط جني الأرباح. وبالنظر إلى الأداء الأسبوعي، يتجه المؤشر لتحقيق مكاسب تتجاوز 1%، مما يجعله في طريقه لتسجيل رابع تقدم أسبوعي له خلال الأسابيع الخمسة الماضية، في إشارة واضحة على سيطرة الاتجاه الصعودي (Bullish Trend) على معنويات المتداولين.
ولم تكن بقية المؤشرات بمعزل عن هذا الزخم؛ حيث سجل كل من “داو جونز الصناعي” و”ناسداك المجمع” مكاسب أسبوعية تخطت أيضاً حاجز الـ 1%. هذا التناغم في الأداء بين مؤشرات القيمة (Value) ومؤشرات النمو (Growth) يقلل من مخاوف حدوث تصحيح سعري مفاجئ، ويؤكد أن شهية المخاطرة لا تزال مفتوحة عبر مختلف فئات الأصول.
تحليل المشهد: ما الذي يحرك الأسواق حالياً؟
وفقاً للمحللين الاستراتيجيين، فإن غياب البيانات الاقتصادية الكبرى وتقارير أرباح الشركات في هذه الفترة الانتقالية من العام جعل التحركات تعتمد بشكل أساسي على “العوامل الفنية” وإعادة توازن المحافظ الاستثمارية (Portfolio Rebalancing). هذا الفراغ المعلوماتي دفع المستثمرين للتركيز على استراتيجيات التمركز الاستباقي استعداداً لعام 2026.
اتساع نطاق السوق: من التكنولوجيا إلى القطاعات الدورية
من أهم النقاط التحليلية التي يجب التوقف عندها هي ظاهرة “اتساع نطاق السوق” (Market Broadening). فخلافاً لما كان سائداً في معظم فترات العام، لم يكن قطاع التكنولوجيا وحده هو المحرك لنمو الأسهم الأمريكية.
يلاحظ الخبراء أن المستويات القياسية الأخيرة كانت مدفوعة بقوة من قطاعي الخدمات المالية والصناعات، وهما قطاعان دوريان يرتبط أداؤهما ارتباطاً وثيقاً بنمو الناتج المحلي الإجمالي وتدفق الاستثمارات الرأسمالية. فارتفاع أسهم البنوك يعكس توقعات بهوامش ربح أفضل في ظل استقرار المنحنى العائد، بينما يشير ازدهار القطاع الصناعي إلى استعادة ثقة المنتجين وزيادة الطلب على السلع الرأسمالية. هذا التحول النوعي يعزز الثقة في أن صعود السوق يستند إلى أسس اقتصادية حقيقية ومتنوعة، مما يقلل من مخاطر الاعتماد المفرط على حفنة من شركات التكنولوجيا العملاقة.
رياح مواتية في الأفق لعام 2026
هناك عدة عوامل اقتصادية وهيكلية يراها المستثمرون بمثابة “رياح مواتية” تدعم استمرار صعود الأسهم الأمريكية في عام 2026، وأبرزها:
- قانون الضرائب: الآثار الإيجابية المستمرة لقانون الضرائب الذي تم توقيعه في يوليو الماضي، والذي من المتوقع أن يستمر في تحفيز الإنفاق الاستهلاكي وزيادة السيولة المتاحة للشركات لإعادة شراء أسهمها أو التوسع في استثماراتها.
- السياسة النقدية: خفض أسعار الفائدة الذي نفذه مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الربع الرابع من هذا العام. هذا التحول نحو التيسير النقدي لا يقلل تكلفة الاقتراض فحسب، بل يجعل عوائد الأسهم أكثر جاذبية مقارنة بالسندات، مما يدفع السيولة نحو الأصول ذات العوائد الأعلى.
“رالي بابا نويل”: هل تستمر الموجة الصاعدة؟
تاريخياً، تدخل الأسواق الآن في واحدة من أقوى الفترات الموسمية التي تتسم بقلة أحجام التداول وزيادة الزخم الصعودي. تشير بيانات “Stock Trader’s Almanac” إلى أن مؤشر S&P 500 يحقق في المتوسط مكاسب بنسبة 1.3% خلال الأيام الخمسة الأخيرة من ديسمبر واليومين الأولين من يناير. ويرجع ذلك غالباً إلى التفاؤل بالعام الجديد، وعمليات الشراء المؤسسي لتجميل الميزانيات الختامية (Window Dressing).
تظل الأسهم الأمريكية في وضع فني وتكتيكي قوي مع اقتراب نهاية عام 2025. إن نضج حركة الصعود والتحول نحو القطاعات الدورية، مدعوماً بسياسات مالية ونقدية محفزة، يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الاستقرار والنمو في مطلع عام 2026. بالنسبة للمستثمرين، تظل هذه الديناميكيات مؤشراً على أن السوق يمتلك ما يكفي من الوقود لمواصلة رحلته في مناطق تاريخية غير مسبوقة.
اقرأ أيضا…



