أخبار الأسواقأسهم أمريكيةأسهم

سهم أوراكل يسجل أسوأ أداء فصلي منذ عام 2001

يواجه سهم أوراكل (Oracle) واحدة من أعنف العواصف المالية في تاريخه الحديث، حيث يبدو أن حالة التفاؤل المفرط التي أحاطت بطموحات الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي بدأت تصطدم بصخرة الواقع المالي المعقد. مع اقتراب الربع الحالي من نهايته، يضع السهم قدمه على مسار يؤدي إلى تسجيل أعمق تراجع فصلي له منذ انفجار فقاعة “دوت كوم” في عام 2001. هذا الهبوط ليس مجرد تقلب عابر، بل هو انعكاس لمخاوف جوهرية لدى المستثمرين من أن فاتورة بناء البنية التحتية الضخمة قد تلتهم هوامش الربحية لسنوات قادمة.

بداية متعثرة للقيادة الجديدة تحت ضغط الأسواق

قبل ثلاثة أشهر فقط، استلم كلاي ماغويرك ومايك سيسيليا دفة القيادة كرؤساء تنفيذيين مشاركين، خلفاً لسافرا كاتس، في لحظة تاريخية كانت فيها التوقعات السوقية تلامس عنان السماء. ومع ذلك، لم تكن “شهر العسل” طويلاً؛ فقد هوى سهم أوراكل بنسبة 30% خلال هذا الربع وحده، مما كشف عن فجوة مصداقية آخذة في الاتساع بين الرؤية التوسعية الجريئة للإدارة وبين القلق المتزايد في “وول ستريت” بشأن استدامة التدفقات النقدية والقدرة على التنفيذ في بيئة شديدة التنافسية.

كان الإعلان عن الشراكة الاستراتيجية مع شركة OpenAI بقيمة تتجاوز 300 مليار دولار بمثابة “الوقود النفاذ” الذي دفع السهم إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في سبتمبر الماضي، محققاً قمة تاريخية عند 345.72 دولاراً. ولكن مع مرور الوقت، تحول هذا العقد في نظر المحللين من شهادة جدارة تقنية إلى عبء لوجستي ومالي هائل. اليوم، تتركز تساؤلات المستثمرين حول قدرة أوراكل الفعلية على الوفاء بالتزاماتها لبناء مزارع خوادم عملاقة (Data Centers) بالسرعة والكفاءة المطلوبة لتشغيل نماذج اللغة الضخمة، في ظل نقص عالمي في بعض المكونات وارتفاع تكاليف الطاقة.

مؤشرات مالية تثير ريبة المستثمرين

لم تكن النتائج المالية الأخيرة مجرد أرقام مخيبة، بل كانت جرس إنذار كشف عن تحديات تشغيلية عميقة:

  • تباطؤ الإيرادات: جاءت الأرقام أقل من تقديرات المحللين، مما يشير إلى أن التحول من البرمجيات التقليدية إلى الحوسبة السحابية لا يزال يواجه عقبات في سرعة التنفيذ.
  • انكماش التدفق النقدي الحر: لاحظ المستثمرون تراجعاً حاداً في السيولة المتاحة، وهو أمر مقلق لشركة كانت تُعرف تاريخياً بتوليد تدفقات نقدية قوية ومستقرة.
  • الانفجار في الإنفاق الرأسمالي (CapEx): صدم المدير المالي دوغ كيرينج الأسواق بإعلانه عن خطة لإنفاق 50 مليار دولار في السنة المالية 2026. هذا الرقم لا يمثل فقط زيادة بنسبة 43% عن الخطط السابقة، بل يعني عملياً مضاعفة الإنفاق مقارنة بالعام الماضي، مما يضع ضغوطاً هائلة على الميزانية العمومية للشركة.

معضلة الديون والضغط على التصنيف الائتماني

لتمويل هذا التوسع “الانتحاري” في البنية التحتية، اضطرت أوراكل للجوء إلى أسواق الدين بشكل مكثف، حيث نفذت واحدة من أكبر صفقات بيع السندات في قطاع التكنولوجيا بقيمة 18 مليار دولار. وبينما تحاول الإدارة طمأنة الأسواق بالتمسك بتصنيف ائتماني “درجة استثمارية”، فإن سوق المشتقات المالية يروي قصة مختلفة؛ إذ سجلت عقود مقايضة التخلف عن السداد (CDS) ارتفاعاً ملحوظاً، مما يعكس تزايد تكلفة التأمين ضد مخاطر ديون الشركة.

وقد حذر محللو “D.A. Davidson” صراحة من أن الوفاء بهذه الالتزامات الضخمة قد لا يكون ممكناً دون الاضطرار إلى إعادة التفاوض على شروط العقد مع OpenAI، لتجنب الدخول في نفق ديون مظلم.

فلسفة لاري إليسون في ميزان الربحية

رغم قتامة المشهد الحالي، يظل هناك تيار من المستثمرين يرفض “المراهنة ضد لاري إليسون”. المؤسس الأسطوري وثاني أغنى رجل في العالم يمتلك تاريخاً طويلاً من تحويل الأزمات إلى فرص للنمو الهائل. يرى أنصار هذا التيار أن تراجع سهم أوراكل من قمة 340 دولاراً إلى ما دون 200 دولار ليس إلا “تصحيحاً سعرياً ضرورياً” يعيد السهم إلى تقييمات أكثر واقعية، دون المساس بالأساسيات الاقتصادية للشركة.

تستهدف أوراكل تحقيق قفزة نوعية في الإيرادات لتصل إلى 225 مليار دولار بحلول عام 2030، وهو طموح يعتمد كلياً على الهيمنة في سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن هذا التحول الجذري ينطوي على تضحية مؤلمة بالربحية؛ فبينما كانت أوراكل تفتخر بهوامش إجمالية تصل إلى 77% في قطاع البرمجيات، فإن طبيعة أعمال الحوسبة السحابية ومراكز البيانات تفرض هوامش أقل بكثير، حيث يتوقع الخبراء هبوط الهوامش الإجمالية إلى نحو 49% بحلول نهاية العقد، مع توقعات بتدفقات نقدية سلبية قد تستمر لخمس سنوات قادمة.

الصراع على السيادة السحابية وفجوة الثقة

لا تزال أوراكل تكافح لتقليص الفجوة مع الثلاثي الكبير (أمازون، مايكروسوفت، وجوجل). وما يثير القلق بشكل خاص هو “عزلة” سحابة أوراكل عن بعض أهم منصات معالجة البيانات الحديثة؛ فشركات مثل “Databricks” و”Snowflake” لا تزال تتخذ موقفاً متحفظاً تجاه توفير خدماتها على منصة أوراكل السحابية، بانتظار إشارات حقيقية من العملاء. يمثل هذا التردد عقبة أمام جذب الشركات الناشئة والمؤسسات الكبرى التي تعتمد على هذه الأدوات بشكل يومي.

ختاما يقف سهم أوراكل اليوم عند مفترق طرق تاريخي. تعتمد العودة إلى المسار الصاعد بشكل كلي على قدرة الإدارة الجديدة على تحويل “الوعود الورقية” إلى مراكز بيانات عاملة ومربحة. الرهان كبير، والتكلفة باهظة، والأسواق لن تغفر أي تعثر جديد في تنفيذ هذه الرؤية الطموحة. إذا نجحت أوراكل في أن تصبح “المصنع” الذي تُبنى فيه عقول الذكاء الاصطناعي القادمة، فإن السعر الحالي للسهم قد يُنظر إليه مستقبلاً كفرصة شراء تاريخية، أما إذا استمر استنزاف السيولة دون عوائد ملموسة، فقد تظل ذكريات عام 2001 تطارد المستثمرين لفترة طويلة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى