أسعار النفط تتماسك وسط ترقب لمخاطر الإمدادات وتوترات جيوسياسية متصاعدة

شهدت أسعار النفط حالة من الاستقرار والهدوء النسبي خلال تداولات يوم الجمعة، حيث يسعى المستثمرون جاهدين لتقييم مخاطر الإمدادات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية المتلاحقة في عدة جبهات ساخنة. جاء هذا التحرك العرضي في جلسة اتسمت بضعف السيولة وانخفاض أحجام التداول، تزامناً مع عطلات نهاية العام (Boxing Day)، وهو ما يقلل عادةً من حدة التقلبات السعرية الكبيرة لكنه يزيد من حساسيتها للأنباء المفاجئة.
أداء العقود الآجلة لخام برنت وتكساس
سجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً طفيفاً بنحو 12 سنتاً، أو ما يعادل 0.19%، لتستقر عند مستوى 62.36 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 10:16 بتوقيت جرينتش. وفي الوقت نفسه، سجل خام غرب تكساس الأمريكي (WTI) صعودا قدره 19 سنتاً، أو 0.33%، ليتحرك في نطاق 58.54 دولار.
وعلى الرغم من هذا التماسك اللحظي الذي تعكسه الشاشات، إلا أن أسعار النفط لا تزال تكافح لتجاوز الضغوط السلبية، حيث تمضي في طريقها لتسجيل أكبر انخفاض سنوي لها منذ عام 2020. يعود هذا التراجع الهيكلي إلى تزايد المخاوف من حدوث فائض في المعروض العالمي مع مطلع العام القادم، نتيجة تسارع وتيرة الإنتاج من قبل دول تحالف “أوبك+” والزيادات الملحوظة من المنتجين المستقلين خارج المنظمة، وهو ما يضع ضغوطاً مستمرة على هوامش الربح.
التوترات الجيوسياسية ومخاطر الإمدادات العالمية
تأثرت شهية المخاطرة في السوق بمجموعة من الأحداث الميدانية والسياسية التي تفرض تساؤلات حول أمن الطاقة:
- الغارات الأمريكية في نيجيريا: نفذت الولايات المتحدة ضربات جوية استهدفت مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية “سوكوتو” بشمال غرب نيجيريا، بالتنسيق مع الحكومة النيجيرية. ورغم القلق الأولي، يرى المحللون أن هذه العمليات تتركز في مناطق بعيدة عن الحقول النفطية الرئيسية والبنية التحتية للتصدير التي تتركز أساساً في جنوب البلاد. وبناءً عليه، فضل المتداولون البقاء في حالة انتظار وترقب دون الانخراط في عمليات شراء ذعر، نظراً لعدم وجود تهديد مباشر لتدفقات الخام من هذا المنتج الأفريقي الهام.
- الضغوط الاقتصادية على فنزويلا: اتجهت الأنظار نحو البيت الأبيض بعد صدور أوامر للقوات العسكرية بالتركيز على “حجر صحي” اقتصادي للنفط الفنزويلي لمدة شهرين على الأقل. هذه الخطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في واشنطن، حيث يبدو أن الإدارة الحالية تفضل استخدام الأدوات المالية والاقتصادية القاسية بدلاً من التدخل العسكري المباشر لممارسة الضغط على كاراكاس. إن تقييد حركة الصادرات الفنزويلية قد يؤدي إلى نقص في خامات النفط الثقيلة، وهو ما يراقب المستثمرون أثره على توازنات المصافي العالمية.
آفاق السلام بين روسيا وأوكرانيا وتأثيرها الجوهري على السوق
يراقب المستثمرون عن كثب أي انفراجة محتملة في مسار السلام بين روسيا وأوكرانيا، لما لها من انعكاسات مباشرة على قطاع الطاقة العالمي. وفي هذا السياق، ألمح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى إمكانية حسم ملفات كبرى قبل حلول العام الجديد، معززاً التفاؤل بلقاء مرتقب مع الرئيس دونالد ترامب في “مار إيه لاغو” يوم الأحد المقبل.
إن التوصل إلى اتفاق سلام شامل أو حتى هدنة مستدامة قد يمهد الطريق لرفع جزئي أو كلي للعقوبات الدولية المفروضة على قطاع الطاقة الروسي. هذا السيناريو، في حال تحققه، قد يتدفق بموجبه المزيد من الخام الروسي إلى الأسواق التقليدية بكل سهولة، مما قد يغير خارطة المعروض العالمي بشكل جذري ويؤدي بالتبعية إلى زيادة الضغوط الهبوطية على أسعار النفط في الأمد المتوسط نتيجة زيادة العرض المتاح.
رؤية تحليلية: محركات السوق في ختام العام
يرى “تونغ تشوان”، المحلل الاستراتيجي في شركة “Galaxy Futures”، أن اضطرابات جانب العرض والتوترات السياسية أصبحت هي المحرك الأساسي والوحيد للأسعار في الوقت الحالي، خاصة في ظل حالة الركود التي تشهدها الأسواق المالية بسبب عطلات عيد الميلاد. كما أن التقارير التي تتحدث عن مرونة روسية في ملف “تبادل الأراضي” تزيد من تعقيد المشهد التنبؤي وتجعل السوق في حالة تأهب لأي تحول جيوسياسي مفاجئ.
الخلاصة والآفاق المستقبلية
في المحصلة، تظل أسعار النفط عالقة في منطقة رمادية، رهينة التوازن القلق بين مخاوف التباطؤ الاقتصادي العالمي الذي يضعف الطلب وتخمة المعروض المرتقبة، وبين المخاطر الأمنية المتصاعدة التي تهدد استقرار سلاسل الإمداد. ومع اقترابنا من عام جديد، ستظل تفاصيل الملف الأوكراني ومدى صرامة السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا ونيجيريا هي المعايير التي ستحدد اتجاه البوصلة السعرية في سوق الطاقة العالمي.
اقرأ أيضا….



