أخبار الأسواقأخبار الفضةسلع

الفضة تكسر حاجز 75 دولاراً: سباق تاريخي للمعادن النفيسة بقيادة الذهب والبلاتين

شهدت الأسواق المالية العالمية منعطفاً تاريخياً مع نهاية تداولات الأسبوع، حيث سجلت المعادن النفيسة مستويات قياسية غير مسبوقة أعادت صياغة خارطة الاستثمار الآمن. وتصدرت أسعار الفضة المشهد باختراقها حاجز 75 دولاراً للأونصة للمرة الأولى في تاريخها، في موجة صعود جماعية شملت الذهب والبلاتين والبلاديوم، مدفوعة بمزيج من توقعات خفض الفائدة الأمريكية والاضطرابات الجيوسياسية التي دفعت المستثمرين للتحوط بالأصول الملموسة.

الفضة تقود الطفرة: نمو بنسبة 158% منذ بداية العام

حققت الفضة أداءً مبهراً تفوقت فيه على كافة فئات الأصول الأخرى، حيث قفز السعر الفوري بنسبة 4% ليصل إلى 74.82 دولاراً للأونصة، بعد أن لامس ذروة تاريخية عند 75.14 دولاراً. هذا الارتفاع ليس مجرد طفرة مضاربية عابرة، بل هو نتاج مسار صعودي مستدام شهد زيادة في الأسعار بنسبة 158% منذ مطلع العام، مما يعكس تحولاً جذرياً في نظرة الأسواق لهذا المعدن.

محركات نمو أسعار الفضة وتداعياتها:

  1. عجز الإمدادات الهيكلي: يعاني السوق من فجوة مزمنة بين العرض والطلب العالمي؛ فبينما يتباطأ الإنتاج المنجمي نتيجة تراجع الاستثمارات في التنقيب، يواصل الطلب نموه المتسارع، مما يضع ضغوطاً تصاعدية مستمرة على الأسعار.
  2. الأهمية الاستراتيجية والسيادية: ساهم تصنيف الفضة كـ “معدن حرج” في الولايات المتحدة في تعزيز قيمتها الاستراتيجية، حيث أصبحت الحكومات تنظر إليها كمكون أساسي في الأمن القومي التكنولوجي، مما شجع على زيادة المخزونات الاستراتيجية.
  3. الثورة الصناعية الخضراء: يتزايد الطلب بقوة في قطاع الطاقة المتجددة، وتحديداً في صناعة الألواح الشمسية ومكونات السيارات الكهربائية. هذه الاستخدامات الصناعية، التي لا يمكن الاستغناء عنها، جعلت من الفضة أصلاً مزدوج القيمة: ملاذاً آمناً وسلعة صناعية حيوية في آن واحد.

الذهب يقترب من قمة جديدة وسط سياسة “تسييل الدولار”

لم يكن الذهب بمنأى عن هذا السباق المحموم؛ فقد ارتفع الذهب الفوري بنسبة 0.8% ليصل إلى 4,516.50 دولاراً للأونصة، بعدما سجل مستوى قياسياً عند 4,530.60 دولاراً. ويرى الخبراء أن الذهب في طريقه لتحقيق أقوى مكسب سنوي له منذ عام 1979، مدعوماً ببيئة اقتصادية كلية مثالية للأصول التي لا تدر عائداً.

العوامل الجوهرية المؤثرة على الذهب:

  • السياسة النقدية: تترقب الأسواق بلهفة قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل العام المقبل. هذا التوجه يقلل من “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة الذهب، مما يجعله أكثر جاذبية مقارنة بالسندات والدولار.
  • التحوط ضد المخاطر السيادية: استمر توجه البنوك المركزية نحو “إلغاء الدولرة” (De-dollarisation) كاستراتيجية لتنويع الاحتياطيات بعيداً عن العملات الورقية المعرضة للتضخم، مما خلق طلباً مؤسسياً مستداماً يدعم مستويات الأسعار الحالية.
  • الزخم الاستثماري عبر الصناديق: تعكس تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) عودة الثقة لدى مستثمري التجزئة والمؤسسات، الذين بدأوا في إعادة تخصيص محافظهم لصالح الذهب كدرع واقية ضد التقلبات المحتملة في أسواق الأسهم.

انفجار سعري في البلاتين والبلاديوم نتيجة ضيق السوق

سجل البلاتين ارتفاعاً دراماتيكياً بنسبة 7.3% ليصل إلى 2,382.35 دولاراً، محققاً أقوى أداء أسبوعي في تاريخه. وفي ذات السياق، صعد البلاديوم بنسبة 8.3% ليغلق عند 1,823.76 دولاراً، مواصلاً رحلة الصعود من أدنى مستوياته في ثلاث سنوات.

أسباب القفزة النوعية في مجموعة المعادن البلاتينية:

  • حساسية السوق العالية: يتميز سوق البلاتين والبلاديوم بصغر حجمه مقارنة بسوق الذهب؛ لذا فإن أي دخول لسيولة استثمارية جديدة، ولو كانت محدودة، تؤدي إلى تحركات سعرية عنيفة وانفجارات في القيم السوقية نتيجة محدودية المعروض المتاح للتداول.
  • إعادة تقييم قطاع السيارات: قرار المفوضية الأوروبية بتخفيف الجداول الزمنية لحظر محركات الاحتراق لعام 2035 أعاد الأمل لقطاع المحولات الحفازة. هذا التحول السياسي أدى إلى عمليات شراء استباقية من قبل مصنعي السيارات لتأمين احتياجاتهم من هذه المعادن الحيوية لتقليل الانبعاثات.

رؤية تحليلية: التوقعات ومخاطر السيولة

يؤكد “جيوفاني ستونوفو”، محلل بنك UBS، أن توقعات انخفاض أسعار الفائدة تظل الوقود المحرك لهذا الزخم. ومع ذلك، ينبه إلى أن “نقص السيولة في هذه المستويات المرتفعة يضاعف من حدة التقلبات”، مما يعني أن الأسواق قد تشهد حركات تصحيحية حادة ومفاجئة.

أما على صعيد الطلب المادي، فيبرز تباين لافت في آسيا؛ حيث تضيق الخصومات السعرية في الصين نتيجة تحسن الشهية الاستهلاكية، بينما تتسع في الهند بسبب الحذر من المستويات السعرية المرتفعة. يبقى المشهد العام مرهوناً بمدى التزام الفيدرالي بسياسة نقدية أكثر تيسيراً (Dovish) ومدى استعار التوترات الجيوسياسية التي تظل المحفز الأكبر للهروب نحو الملاذات الآمنة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى