التضخم في أمريكا: لماذا قد يكون “الهدوء” الحالي مجرد استراحة قبل عاصفة 2026؟

مع اقتراب نهاية العام، يسود تفاؤل حذر بين المستهلكين والمستثمرين في الأسواق الأمريكية، مدفوعاً بالاعتقاد بأن موجة التضخم الجامحة التي عصفت بالاقتصاد العالمي بدأت تتلاشى أخيراً. ورغم أن القراءات الإحصائية الأخيرة تشير إلى تباطؤ ظاهري في وتيرة ارتفاع الأسعار، إلا أن كبار خبراء الاقتصاد يطرحون رؤية استشرافية مغايرة تماماً؛ فنحن لسنا بصدد انتصار نهائي على الغلاء، بل نواجه ما يمكن تسميته “ارتداداً تضخمياً” (Inflationary Rebound) مرتقباً في عام 2026، قبل أن يتمكن الاقتصاد من الاستقرار بشكل مستدام.
في هذا التقرير العميق، نفكك الأسباب الكامنة وراء هذه التوقعات المتشائمة، ونحلل كيف ستؤدي السياسات الجمركية والتحفيزات الضريبية وتشوهات البيانات إلى رسم مشهد اقتصادي معقد يتطلب الحذر من كافة الأطراف الفاعلة.
خدعة الأرقام: لماذا لا يعكس مؤشر نوفمبر الواقع الاقتصادي؟
أظهرت أحدث قراءة لمؤشر أسعار المستهلك (CPI) انخفاضاً مشجعاً إلى 2.7% على أساس سنوي في نوفمبر، نزولاً من 3% في سبتمبر. ولكن خلف هذا الهدوء الرقمي تكمن “أزمة بيانات” هيكلية؛ حيث أدى إغلاق الحكومة الفيدرالية لمدة 43 يوماً إلى شلل مؤقت في قدرة مكتب إحصاءات العمل (BLS) على جمع ومعالجة البيانات الميدانية بدقة.
لجأ المكتب، بدافع الضرورة الإحصائية، إلى تقنية “ترحيل الأسعار” (Price Carrying) من شهر سبتمبر لملء فجوة أكتوبر المفقودة. هذا الإجراء الفني يعني عملياً احتساب “صفر تغيير” في أسعار العديد من القطاعات الحيوية، مما تسبب في خفض مصطنع ومتحيز لقراءات التضخم الإجمالية. ويرى “أوجينيو أليمان”، كبير الاقتصاديين في ريموند جيمس، أن هذا التشويه الإحصائي سيؤدي بالضرورة إلى “تصحيح حاد” ومفاجئ في البيانات بمجرد انتظام جمع الأسعار في ديسمبر والربع الأول من عام 2026، مما سيعطي صدمة للأسواق التي عولت على استمرار الانخفاض.
محركات “الارتداد التضخمي” في عام 2026
لا يتوقف القلق عند حدود الأرقام المشوهة، بل يمتد إلى محركات اقتصادية حقيقية بدأت تلوح في الأفق:
1. سلاسل التوريد والرسوم الجمركية: انتقال التكلفة إلى المستهلك
تظل السياسة التجارية والرسوم الجمركية أحد أكثر العوامل إثارة للقلق. حذر قادة قطاع التجزئة، وعلى رأسهم عملاق التجارة “وول مارت”، من أن الارتفاع المستمر في تكاليف الاستيراد نتيجة الرسوم سيجبر الشركات على رفع أسعارها النهائية. وبما أن “وول مارت” تمثل حجر الزاوية في تحديد مستويات الأسعار التنافسية في الولايات المتحدة، فإن أي زيادة في أسعارها ستمنح “الضوء الأخضر” لبقية تجار التجزئة لرفع أسعارهم بدورهم، مما يخلق موجة تضخمية متسلسلة في قطاع السلع الاستهلاكية.
2. معضلة السيولة: قانون One Big Beautiful Bill
من المتوقع أن يضخ عام 2026 سيولة نقدية ضخمة في جيوب الأسر الأمريكية عبر بوابة “الاستردادات الضريبية”. بفضل التشريعات الجديدة التي تسمح بخصم فوائد القروض على السيارات وتوسيع إعفاءات كبار السن، تشير تقديرات “بايبر ساندلر” إلى أن متوسط الاسترداد الضريبي للفرد قد يرتفع بمقدار 1000 دولار. هذه السيولة، رغم جاذبيتها للمستهلك، ستعمل كوقود إضافي للطلب الكلي في وقت لا يزال فيه العرض يكافح لمواكبة الضغوط الجمركية، مما يدفع الأسعار نحو الأعلى.
3. ضغوط الأجور في القطاعات الإستراتيجية
رغم الهدوء النسبي في نمو الأجور العام، إلا أن قطاعات محددة تشهد غلياناً حقيقياً. قطاع “المرافق” يواجه طلباً هائلاً مدفوعاً بتوسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بينما يعاني قطاع “تصنيع الأغذية” من نقص حاد في العمالة نتيجة تشديد سياسات الهجرة. هذه الضغوط في الأجور، خاصة في السلع غير المعمرة، ستبدأ بالظهور بوضوح في أسعار الخدمات، مما يجعل التضخم “أكثر لزوجة” (Sticky) ويصعب التخلص منه.
رؤية الخبراء: متى سيهبط التضخم فعلياً؟
يرسم “أولو سونولا”، رئيس أبحاث الاقتصاد الأمريكي في وكالة “فيتش”، خريطة زمنية واضحة؛ حيث يتوقع وصول التضخم إلى ذروة جديدة بين 3.4% و3.5% خلال العام المقبل، مع بقائه فوق حاجز 3% حتى نهاية 2026. ولن نرى هبوطاً مستداماً تحت هذا المستوى إلا بحلول عام 2027.
وتعزز “ديان سونك”، كبيرة الاقتصاديين في KPMG، هذا الطرح محذرة من “التناقض الصارخ” في السياسات؛ حيث تعتزم الحكومة تقديم محفزات مالية (مثل شيكات الـ 2000 دولار المقترحة لتعويض أضرار الرسوم الجمركية) في الوقت الذي تشتعل فيه الأسعار أصلاً. هذا النوع من “التحفيز المالي المفرط” قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً، حيث يطارد المستهلكون السلع المحدودة بمزيد من الأموال، وهو التعريف الكلاسيكي للتضخم المتسارع.
يجب على المتداولين عدم الانخداع بالهدوء المؤقت الحالي. إن تضافر العوامل المذكورة — من أخطاء قياس البيانات إلى السياسات المالية التوسعية والرسوم الجمركية — يجعل من عام 2026 عاماً للاختبار الحقيقي. فبينما كانت قراءات نهاية 2025 بمثابة “هدوء ما قبل العاصفة”، فإن الرحلة نحو هدف التضخم البالغ 2% الذي ينشده الفيدرالي الأمريكي ستكون مليئة بالمنعطفات الحادة، مما قد يفرض بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق حالياً.
اقرأ أيضا…



