الدولار الأمريكي يقلص خسائره بعد بيانات نمو اقتصادي فاقت التوقعات

شهد سوق العملات العالمي تحولاً دراماتيكياً في جلسة اليوم الثلاثاء، حيث نجح الدولار الأمريكي في استعادة توازنه وتقليص جانب كبير من خسائره المبكرة أمام سلة العملات الرئيسية. جاء هذا التحول مدفوعاً بصدور بيانات اقتصادية رسمية كشفت عن وتيرة نمو قوية في أكبر اقتصاد عالمي خلال الربع الثالث، مما أعاد رسم خارطة التوقعات لدى المستثمرين والمحللين على حد سواء.
نمو الناتج المحلي الإجمالي يعيد الثقة في الدولار الأمريكي
أظهرت التقديرات الأولية الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي بوزارة التجارة الأمريكية أن الناتج المحلي الإجمالي نما بمعدل سنوي مذهل قدره 4.3% خلال الربع الأخير. هذا الرقم لم يتجاوز التوقعات فحسب، بل فاق متوسط تقديرات الاقتصاديين في استطلاع “رويترز” بنحو 100 نقطة أساس، حيث استقرت التوقعات السابقة عند 3.3%.
هذا الانتعاش القوي يعكس متانة الطلب المحلي وقدرة قطاع الأعمال على التوسع رغم مستويات الفائدة المرتفعة. بالنسبة للمستثمرين، فإن قوة الدولار الأمريكي هنا لا تنبع فقط من الأرقام المجردة، بل من “الاستثناء الاقتصادي الأمريكي” الذي يظهر مرونة فائقة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة الأخرى. هذه المرونة تمنح صانعي السياسة النقدية في البنك المركزي التمسك بأسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول دون الخوف من الوقوع في فخ الركود.
تأثير البيانات على ازاوج العملات الرئيسية
بمجرد ظهور الأرقام على شاشات التداول، شهدنا موجة من تغطية المراكز البيعية، مما دفع الدولار الأمريكي للارتفاع بسرعة:
- أمام الين الياباني: استطاع الدولار الأمريكي تقليص فجوة التراجع ليصل إلى مستوى 156.11 ين. ورغم أن العملة لا تزال منخفضة بنسبة 0.6% على مدار اليوم، إلا أن الارتداد من القيعان السعرية التي سجلتها قبل صدور البيانات يعكس تغيراً في المعنويات، حيث بدأ المتداولون في تسعير الفوارق في العوائد بين السندات الأمريكية واليابانية مجدداً.
- أمام اليورو: تأثرت العملة الأوروبية الموحدة بزخم البيانات الأمريكية، حيث تراجعت مكاسب اليورو لتستقر عند 1.1786 دولار. هذا التراجع يجسد حالة التباين الاقتصادي؛ فبينما ينمو الاقتصاد الأمريكي بقوة، لا تزال منطقة اليورو تواجه تحديات هيكلية، مما يجعل الرهان على استمرار تفوق الدولار الأمريكي خياراً منطقياً للمؤسسات المالية في الوقت الراهن.
توقعات الفائدة: هل يتوقف الفيدرالي عن خفض الأسعار؟
تتجاوز أهمية هذه البيانات مجرد التحركات السعرية اللحظية، لتصل إلى صلب توجهات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. فقد أدت قوة النمو إلى تحول جذري في التوقعات، حيث يرى السوق الآن احتمالية متزايدة لأن يتجه البنك المركزي نحو تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع شهر يناير، بدلاً من الاستمرار في دورة التيسير النقدي.
المنطق الاقتصادي وراء استقرار الدولار الأمريكي في هذا السياق هو أن النمو القوي قد يؤدي إلى بقاء الضغوط التضخمية كامنة، مما يستوجب حذراً من الفيدرالي. إن بقاء أسعار الفائدة “مرتفعة لفترة أطول” يعزز من التدفقات الرأسمالية نحو الولايات المتحدة بحثاً عن العائد، وهو ما يوفر دعماً هيكلياً لقيمة الدولار الأمريكي أمام العملات التي تعاني من ضعف في معدلات النمو أو التي تتجه بنوكها المركزية لخفض الفائدة بشكل أكثر عدوانية.
اقرأ أيضا…



