نمو الاقتصاد الأمريكي يتجاوز التوقعات في الربع الثالث: تحليل شامل للأرقام

أظهرت بيانات وزارة التجارة الأمريكية الصادرة حديثاً، في تقرير طال انتظاره، أن نمو الاقتصاد الأمريكي قد سجل وتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعاً خلال الربع الثالث من العام الجاري. هذا الأداء القوي يعكس مرونة استثنائية للاقتصاد الأكبر في العالم، حيث نجح في تجاوز التحديات الجيوسياسية والضغوط التضخمية المستمرة التي أثارت مخاوف الركود في وقت سابق من العام.
أرقام تفوق التقديرات: قراءة في الناتج المحلي الإجمالي
وفقاً للقراءة الأولية، توسع الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 4.3% على أساس سنوي في الفترة من يوليو إلى سبتمبر. وتأتي هذه النتيجة لتتجاوز بشكل صارخ توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت آراءهم “داو جونز”، والذين كانوا ينتظرون نمواً بنسبة 3.2% فقط. هذا التباين الكبير بين التوقعات والواقع يشير إلى وجود محركات دفع داخلية لم يتم تقدير قوتها الكافية من قبل المحللين.
يجدر بالذكر أن هذا التقرير اكتسب أهمية مضاعفة نظراً لتأخر صدوره عن موعده الأصلي (30 أكتوبر) بسبب الإغلاق الحكومي، ليحل محل التقديرات الثانية التي كانت مقررة في نوفمبر. هذا التأخير جعل البيانات بمثابة “كشف حساب” مفصلي للمستثمرين وصناع القرار، حيث وفرت صورة أكثر وضوحاً عن مرونة الاقتصاد قبل الدخول في الربع الأخير من العام.
المحركات الرئيسية لنمو الاقتصاد الأمريكي
لم يكن هذا التوسع القوي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تضافر عدة عوامل اقتصادية هيكلية عززت من متانة النشاط التجاري:
- قوة الإنفاق الاستهلاكي الاستثنائية: ارتفع الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي الأمريكي، بنسبة 3.5%. وتكتسب هذه القفزة أهمية خاصة عند مقارنتها بزيادة الربع الثاني البالغة 2.5%، مما يشير إلى أن المستهلك الأمريكي لا يزال مستعداً للإنفاق رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض، مدعوماً بسوق عمل قوي ومدخرات متراكمة.
- انتعاش الصادرات والإنفاق الحكومي: ساهم تحسن الميزان التجاري عبر زيادة الصادرات، جنباً إلى جنب مع توسع المخصصات الحكومية، في توفير دعم إضافي للناتج المحلي. كما ساعد التراجع الطفيف في وتيرة انخفاض الاستثمار الخاص الثابت في تقليل الضغوط السلبية على النمو الكلي.
- طفرة أرباح الشركات: شهدت أرباح الشركات قفزة هائلة بلغت 166.1 مليار دولار (زيادة بنسبة 4.2%). هذا النمو النوعي، مقارنة بزيادة الربع الثاني الهزيلة التي بلغت 6.8 مليار دولار فقط، يعكس قدرة الشركات على تحسين هوامش ربحيتها وكفاءتها التشغيلية حتى في بيئة تتسم بارتفاع التكاليف.
معضلة التضخم وضغوط الفيدرالي الأمريكي
رغم إيجابية أرقام النمو، إلا أن “ظلال التضخم” لا تزال تخيم على المشهد الاقتصادي وتثير تساؤلات صعبة. سجل مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) – المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي – ارتفاعاً بنسبة 2.8%. أما التضخم الأساسي (Core PCE)، الذي يستبعد تقلبات الغذاء والطاقة، فقد وصل إلى 2.9%.
هذه الأرقام تضع الفيدرالي في موقف دقيق؛ فمن جهة، يظهر الاقتصاد قوة تمنحه مساحة للمناورة، ومن جهة أخرى، تظل مستويات التضخم بعيدة عن المستهدف الرسمي البالغ 2%. علاوة على ذلك، سجل مؤشر الأسعار المرجح بالسلسلة زيادة بنسبة 3.8%، وهو ما يتجاوز التوقعات بنقطة مئوية كاملة. هذا المؤشر تحديداً يعكس تحولاً في سلوك المستهلكين، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن ضغوط المعيشة لا تزال قائمة وبقوة.
رد فعل الأسواق والآفاق المستقبلية
رغم قوة الأرقام، اتسم رد فعل الأسواق بالهدوء النسبي والتحفظ. ويرجع ذلك إلى أن المستثمرين ينظرون إلى هذه البيانات كـ “مرآة للماضي” (Backward-looking)، بينما تتركز الأنظار حالياً على البيانات اللحظية وتوقعات العام المقبل. ومع ذلك، استقرت عوائد سندات الخزانة عند مستويات مرتفعة، مما يعكس توقعات الأسواق بأن الفائدة قد تظل مرتفعة لفترة أطول.
ختاما يؤكد تفوق نمو الاقتصاد الأمريكي وصولاً إلى 4.3% أن المحركات الأساسية للطلب لا تزال تعمل بكفاءة عالية. ومع ذلك، فإن هذا النمو السريع يمثل سيفاً ذو حدين؛ فهو يقي من الركود ولكنه يغذي التضخم، مما قد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى التمسك بسياسة نقدية متشددة (Hawkish) لضمان عدم خروج الأسعار عن السيطرة، وهو ما سيراقب الأسواق تبعاته في الأشهر القادمة.
اقرأ أيضا…



