أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تلامس مستويات تاريخية جديدة: هل يكسر المعدن الأصفر حاجز 4500 دولار؟

شهدت الأسواق المالية العالمية قفزة نوعية في أسعار الذهب خلال تداولات يوم الثلاثاء، حيث اقترب المعدن الأصفر من كسر حاجز الـ 4500 دولار للأوقية لأول مرة في تاريخه، مسجلاً رالي صعودي مذهل يعكس حالة “الذعر الاستثماري” والبحث عن الأمان. يأتي هذا الارتفاع القياسي مدفوعاً بضعف الدولار الأمريكي واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي المتفاقمة، مما عزز الطلب على الذهب ليس فقط كأداة تحوط، بل كأصل استراتيجي لا غنى عنه في المحافظ العالمية.

أداء قياسي للمعدن الأصفر والفضة

وفقاً لبيانات السوق الدقيقة، سجلت أسعار الذهب الفورية ارتفاعاً بنسبة 1% لتصل إلى 4488.94 دولار للأوقية، بعد أن كانت قد لامست في وقت سابق من الجلسة مستوى تاريخياً غير مسبوق عند 4497.55 دولار. هذا الزخم يضع الذهب على مسار تحقيق مكاسب سنوية قد تكون الأقوى منذ عقود، حيث تجاوزت ارتفاعاته 70% منذ مطلع العام.

ولم يتوقف الزخم عند الذهب فحسب، بل امتد ليشمل الفضة التي واصلت مسيرتها الصعودية “الصاروخية” لتسجل أعلى مستوياتها على الإطلاق. يعكس هذا الأداء المتناغم بين المعدنين النفيسين ثقة الأسواق في أن الموجة الصعودية الحالية ليست مجرد فقاعة عابرة، بل هي استجابة هيكلية لضعف العملات الورقية وتصاعد المخاطر الائتمانية العالمية.

الأسباب الكامنة وراء ارتفاع أسعار الذهب

يرى المحللون الاقتصاديون أن هذا “الجنون” في الأسعار ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تضافر أربعة عوامل رئيسية تعمق من جاذبية المعدن:

  1. توقعات السياسة النقدية (الاحتياطي الفيدرالي): تترقب الأسواق سياسة نقدية أكثر مرونة (Dovish) تزامناً مع الأنباء المؤكدة عن نية الإدارة الأمريكية تعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي يتبنى نهجاً يدعم خفض تكاليف الاقتراض. هذا التوجه عزز التوقعات بخفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال عام 2026، مما يقلل من “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً ثابتاً، ويزيد من جاذبيته مقارنة بالسندات.
  2. تراجع الدولار الأمريكي وفقدان الثقة: يمر الدولار حالياً بأكبر انخفاض سنوي له منذ عام 2017. ومع تزايد العجز المالي الأمريكي والجدل حول استدامة الديون، بدأ المستثمرون يفقدون الثقة تدريجياً في “الجرينباك” كعملة احتياط وحيدة، مما دفعهم لتحويل سيولتهم نحو الذهب، وهو ما يفسر العلاقة العكسية القوية التي نراها اليوم.
  3. التوترات الجيوسياسية والنزاعات التجارية: زادت حدة المخاوف العالمية بعد تصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن فرض “حصار” شامل على ناقلات النفط الفنزويلية، ملمحاً إلى احتمالية نشوب نزاعات عسكرية أو تجارية واسعة. تاريخياً، تزدهر أسعار الذهب في فترات الحروب والاضطرابات، حيث يعمل كدرع واقٍ ضد تقلبات الأسواق المالية المفاجئة.
  4. مشتريات البنوك المركزية الكثيفة: لم يعد الذهب مطلباً للمستثمرين الأفراد فحسب، بل استمرت البنوك المركزية (خاصة في الأسواق الناشئة مثل الصين والهند) في زيادة احتياطياتها بمستويات قياسية. هذا الطلب المؤسسي يوفر “قاعاً” صلباً للأسعار ويمنع حدوث انهيارات سعرية كبيرة حتى في حالات التصحيح الفني.

الفضة والمعادن الأخرى

لم تكن أسعار الذهب هي الوحيدة التي خطفت الأضواء؛ فقد قفزت الفضة الفورية بنسبة 0.7% لتصل إلى 69.51 دولار للأوقية، مقتربة من الحاجز النفسي عند 70 دولاراً. والجدير بالذكر أن الفضة سجلت نمواً مذهلاً بنسبة 142% منذ بداية العام، وهي نسبة تتفوق بمراحل على الذهب، وذلك بفضل النقص الحاد في المعروض العالمي والطلب الصناعي المتزايد (خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية).

كما امتدت العدوى الإيجابية لتشمل قطاع المعادن الثمينة بالكامل:

  • البلاتين: قفز بنسبة 3% ليصل إلى أعلى مستوى له منذ 17 عاماً، متجاوزاً حاجز 2100 دولار.
  • البلاديوم: سجل أعلى مستوى له في ثلاث سنوات ليصل إلى 1811.20 دولار، مستفيداً من تحسن توقعات القطاع الصناعي وتزايد مشتريات التحوط.

الرؤية التحليلية: ما القادم؟

يشير الخبراء الفنيون إلى أن المستويات الحالية لـ أسعار الذهب (4500 دولار) وللفضة (70 دولاراً) لم تعد تعتبر “سقوفاً سعرية” صلبة أو مناطق مقاومة نهائية، بل تحولت في نظر المتداولين إلى نقاط مرجعية ودعوم فنية ضمن اتجاه صاعد طويل الأمد.

ومع اقتراب موسم العطلات وانخفاض السيولة، قد نشهد تقلبات حادة، لكن يظل الاتجاه العام مدعوماً بقوة بفعل تدفقات الاستثمار التي تبحث عن التحوط من التضخم العالمي الذي لا يزال يقلق صانعي السياسات. إن كسر حاجز 4500 دولار للأوقية سيعني دخول الذهب في “منطقة اكتشاف سعري” جديدة، قد تفتح الباب نحو مستويات الـ 5000 دولار في وقت أقرب مما كان متوقعاً.

ختاما تظل أسعار الذهب هي البوصلة الحقيقية ومقياس شدة القلق في النظام المالي العالمي. وفي ظل بيئة تتسم بفوائد منخفضة وتوترات سياسية متفجرة، يبدو أن بريق المعدن الأصفر سيستمر في خطف الأنظار، ليظل الملاذ الذي لا يخذل أصحابه في أوقات الأزمات الكبرى.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى