الين الياباني يختبر صبر طوكيو: تراجع حاد أمام العملات العالمية وتهديدات بالتدخل

شهدت أسواق الصرف العالمية تحركات دراماتيكية للعملة اليابانية، حيث استمر تراجع الين الياباني ليسجل مستويات قياسية منخفضة أمام اليورو والفرنك السويسري. يأتي هذا التراجع الحاد نتيجة مباشرة لغياب الإشارات التشديدية القوية من بنك اليابان (BOJ)، مما منح المتداولين والمضاربين “الضوء الأخضر” لمواصلة عمليات البيع المكثفة (Short-selling)، متجاهلين التحذيرات الشفهية المتكررة من المسؤولين اليابانيين بشأن التدخل المباشر لدعم العملة.
الين الياباني في مواجهة نبرة كازوو أويدا المتحفظة
على الرغم من أن بنك اليابان اتخذ خطوة وصفها البعض بـ “التاريخية” برفع أسعار الفائدة إلى 0.75%، وهو أعلى مستوى لها منذ ثلاثة عقود، إلا أن رد فعل السوق جاء مخيباً للآمال. فبدلاً من تعافي الين الياباني استجابةً لتقلص فجوة العوائد، أدت النبرة “الحمائمية” والمتحفظة للمحافظ “كازوو أويدا” في مؤتمره الصحفي إلى إضعاف الثقة في مسار التشديد النقدي، مما أحيا شهية البيع لدى المستثمرين الباحثين عن عوائد أعلى في عملات أخرى.
وعلى الرغم من أن عوائد السندات الحكومية اليابانية (JGBs) قصيرة الأجل قفزت إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، إلا أن المستثمرين قرأوا في تصريحات أويدا نوعاً من التردد أو الرغبة في التمهل الطويل قبل الإقدام على أي رفع إضافي. هذا الافتقار لجدول زمني واضح ومحدد للزيادات القادمة أدى إلى تآكل القوة الشرائية للعملة المحلية، حيث لا يزال فارق الفائدة لصالح العملات الرئيسية الأخرى كبيراً بما يكفي لاستمرار استراتيجيات “تجارة الفائدة” (Carry Trade).
مستويات قياسية أمام اليورو والفرنك السويسري
تجلت هشاشة العملة اليابانية بوضوح في تداولات يوم الاثنين، حيث لم تكتفِ بالهبوط أمام الدولار بل سجلت خسائر فادحة أمام العملات الأوروبية:
- أمام اليورو: واصل الزوج صعوده حتى وصل سعر صرف اليورو مقابل الين إلى مستوى تاريخي غير مسبوق عند 184.92 ين، مما يعكس تباين التوقعات بين البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان.
- أمام الفرنك السويسري: ارتفع الفرنك بنسبة 0.2% ليحطم أرقاماً قياسية جديدة عند 198.4 ين، وهو ما يعكس لجوء المستثمرين للفرنك كملاذ آمن مفضل على الين في ظل الضبابية الحالية.
- أمام الدولار الأمريكي: استقر الين الياباني في منطقة الخطر بالقرب من أدنى مستوياته في 11 شهراً، حيث حام الدولار حول مستويات 157.39 ين، وهو ما يضع العملة على بعد خطوات بسيطة من اختبار حاجز المقاومة النفسي عند 158 ين.
الضغوط المالية والسياسية: تحدي الميزانية الضخمة
لا تقتصر الضغوط التي تواجه الين الياباني على السياسة النقدية فحسب، بل تمتد لتشمل مخاوف اقتصادية هيكلية ومخططات مالية توسعية. فخطط الإنفاق الحكومي الضخمة التي تتبناها رئيسة الوزراء الجديدة “ساناي تاكايتشي” تهدف ظاهرياً لتعزيز النمو، لكنها تثير قلقاً عميقاً في أوساط الماليين حول استدامة المالية العامة لليابان المثقلة بالديون أصلاً.
وتشير التقارير الواردة من طوكيو إلى أن مسودة ميزانية العام المالي 2026 قد تكسر حاجز الـ 120 تريليون ين (حوالي 775 مليار دولار)، مسجلة رقماً قياسياً جديداً. هذا التوسع المالي غير المنضبط قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على العوائد الطويلة الأجل، مما يزيد من زعزعة استقرار العملة ويدفع المستثمرين الأجانب إلى التشكيك في استقرار الاقتصاد الكلي الياباني.
هل ينجح التدخل الحكومي في حماية الين الياباني؟
أمام هذا التدهور، صعد المسؤولون في طوكيو من لهجتهم التحذيرية؛ حيث أكد “أتسوشي ميمورا”، كبير الدبلوماسيين النقديين، ومعاونوه استعداد الحكومة للتدخل الفعلي واتخاذ “إجراءات حاسمة” لمواجهة ما وصفوه بالتحركات “أحادية الجانب” وغير المبررة. ومع ذلك، يجمع المحللون الاستراتيجيون، ومنهم “ديريك هالبيني” من MUFG، على أن أي تدخل في سوق الصرف الأجنبي سيكون محكوماً عليه بالفشل أو بنجاح مؤقت جداً ما لم تدعمه الحكومة بإشارات واضحة حول كبح جماح الإنفاق وإدارة مخاطر السياسة المالية بمسؤولية.
تماسك العملات الأوروبية يزيد من الضغط
ما يزيد الطين بلة هو التماسك النسبي للعملات الأوروبية التي تجذب السيولة بعيداً عن اليابان:
- اليورو: استعاد بريقه مرتفعاً بنسبة 0.21% أمام الدولار ليصل إلى 1.1738 دولار، مدعوماً بموقف البنك المركزي الأوروبي المتشدد الذي أغلق الباب أمام خفض الفائدة في المستقبل القريب.
- الإسترليني: واصل مكاسبه بنسبة 0.46% ليصل إلى 1.344 دولار، حيث يرى المستثمرون أن بنك إنجلترا سيكون حذراً جداً في خفض الفائدة نظراً لاستمرار معدلات التضخم في مستويات تفوق المستهدف بكثير.
ختاما تترقب الأسواق العالمية واليابانية الكلمة المرتقبة للمحافظ “أويدا” أمام اتحاد الأعمال الياباني (Keidanren) في 25 ديسمبر. يُنظر إلى هذا اللقاء بوصفه الفرصة الأخيرة في عام 2025 لاستعادة الثقة وتصحيح المسار من خلال تقديم إشارات أكثر وضوحاً حول التوجهات النقدية للعام المقبل. وإذا فشلت الحكومة في طمأنة الأسواق بشأن الميزانية، أو استمر بنك اليابان في نهجه الحذر، فإن الين الياباني قد يواجه موجة بيع جديدة تدفع وزارة المالية للتدخل القسري، وهو سيناريو قد يؤدي إلى تذبذبات حادة في الأسواق العالمية قبل إغلاقات نهاية العام.
اقرأ أيضا…



