“حرب الروبوتاكسي” تشتعل في سان فرانسيسكو: سهم تسلا يحلق وتعثر فني مفاجئ لـ “وايمو”

شهدت عطلة نهاية الأسبوع المنصرمة منعطفاً دراماتيكياً في الصراع المحتدم على ريادة قطاع النقل الذاتي، حيث تحول انقطاع اعتيادي للتيار الكهربائي في مدينة سان فرانسيسكو إلى “مختبر واقعي” كشف الفوارق الجوهرية والعميقة بين الفلسفة التقنية لشركة “تسلا” (Tesla) ومنافستها الشرسة “وايمو” (Waymo) التابعة لمجموعة ألفابت. هذا الحدث المفاجئ لم يمر مرور الكرام في أروقة وال ستريت والأسواق المالية، إذ استجاب سهم تسلا بنشاط إيجابي ملحوظ، وسط تساؤلات استثمارية وعلمية عميقة حول معايير “الاعتمادية القصوى” في أنظمة القيادة الذاتية الكاملة عند مواجهة ظروف غير متوقعة.
كواليس “الأحد الأسود” في سان فرانسيسكو
في يوم الأحد، غرق نحو 130 ألف منزل ومنشأة تجارية في ظلام دامس نتيجة عطل تقني واسع في شبكة الطاقة. وفي الوقت الذي توقفت فيه إشارات المرور الرقمية عن العمل، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ حيث تجمد أسطول سيارات “وايمو” ذاتية القيادة تماماً في منتصف المسارات المرورية الحيوية، مما حول الشوارع إلى ساحات من الاختناق المروري الحاد.
التقارير الفنية المتعمقة تشير إلى أن برمجيات وايمو، المصممة بصرامة فائقة للالتزام الصارم بالبنية التحتية والبيانات المرجعية للمدينة، أصيبت بحالة من “الشلل البرمجي” عند غياب الإشارات الضوئية. لقد فشلت الخوارزميات في محاكاة البديهة البشرية التي تتعامل مع التقاطعات المظلمة كعلامة “توقف رباعي”، وهو ما كشف عن ثغرة في كيفية تعامل الأنظمة المعتمدة على البيانات الخارجية مع حالات الانقطاع المفاجئ.
على الجانب الآخر من المعادلة، لم يفوت إيلون ماسك، المدير التنفيذي لشركة تسلا، الفرصة؛ حيث استغل منصة “X” ليسلط الضوء على نجاح سيارات تسلا التي تختبر نظام “الروبوتاكسي” في تجاوز الأزمة دون أي تعطل. وأوضح ماسك أن القوة تكمن في “العقل الاصطناعي المحلي” (On-board AI) الذي يحلل المحيط بصرياً وفورياً، مما مكن المركبات من اتخاذ قرارات حركية مستقلة تماماً عن أي اتصال بالخوادم المركزية أو الاعتماد على خرائط مسبقة التحديد بدقة (HD Maps) قد تفقد قيمتها عند تغير حالة الطريق.
أداء الأسهم: سهم تسلا يتصدر المشهد الاستثماري
انعكست هذه الدراما التقنية فوراً على شاشات التداول مع افتتاح الأسواق يوم الاثنين، حيث بدأت ثقة المستثمرين تترجم إلى أرقام:
- سهم تسلا (TSLA): قاد الزخم الصعودي مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 1% ليصل إلى مستوى 486.50 دولار في التداولات الصباحية. هذا الصعود لم يكن مجرد رد فعل عاطفي، بل عكس قناعة المستثمرين بقدرة تكنولوجيا تسلا على العمل في “البيئات غير المهيأة”، متفوقاً بذلك على أداء العقود الآجلة لمؤشري “إس آند بي 500” و”داو جونز” التي اكتفت بارتفاعات طفيفة.
- سهم ألفابت (GOOGL): على الرغم من الارتباك الميداني لسيارات وايمو، إلا أن سهم الشركة الأم ارتفع بنسبة 0.7% ليصل إلى 309.32 دولار. ويرى المحللون أن هذا الارتفاع مدفوع بقوة العمليات الأساسية لألفابت في قطاع البحث والإعلانات، إلا أن الحذر بدأ يتسلل بوضوح إلى تقييمات قطاع “المراهنات الأخرى” (Other Bets)، حيث يطالب المستثمرون الآن بضمانات أكبر حول قدرة وايمو على مواجهة “الحالات الاستثنائية” (Edge Cases).
صراع التكنولوجيا: الرؤية البصرية مقابل الليدار
تُبرز هذه الواقعة الفجوة التقنية والفلسفية بين المدرستين الأكثر تأثيراً في العالم:
- نهج وايمو (Waymo): “الأمان المشروط بالبنية التحتية”
تعتمد وايمو على مستشعرات “الليدار” (Lidar) البصرية الليزرية والخرائط فائقة الدقة التي ترسم كل سنتيمتر في المدينة. وبينما توفر هذه المنظومة أماناً فائقاً في الظروف القياسية، إلا أنها أثبتت “هشاشة” غير متوقعة أمام التغيرات الفجائية في البنية التحتية الرقمية. فعندما غابت الإشارة الكهربائية، فقدت السيارة “المرجع” الذي يوجه حركتها، مما جعلها عاجزة عن الابتكار المروري.
- نهج تسلا (Tesla): “الذكاء الاصطناعي المحاكي للبشر”
في المقابل، تراهن تسلا على نظام “الرؤية فقط” (Vision-only) والذكاء الاصطناعي المستند إلى الشبكات العصبية “النهاية إلى النهاية” (End-to-End). هذا النظام لا “يقرأ” الخريطة، بل “يفهم” الواقع. قدرة سيارات تسلا على عبور التقاطعات المظلمة بسلاسة أثبتت أن نظامها يحاكي منطق السائق البشري الذي يعتمد على عينيه وعقله لتقييم المخاطر، مما يمنحها مرونة هائلة في البيئات المتغيرة أو تلك التي تفتقر للبنية التحتية الذكية.
التحليل الاستثماري والرؤية المستقبلية
بصفتنا مراقبين للسوق، نرى أن حادثة سان فرانسيسكو لم تكن مجرد عطل عابر، بل هي “بروفة” للتحديات التنظيمية والأمنية التي ستواجه شركات التأمين والمشرعين في المستقبل. صحيح أن وايمو تمتلك حالياً الأفضلية في عدد الرحلات التجارية المكتملة (أكثر من 450 ألف رحلة أسبوعياً بدون سائق أمان)، إلا أن واقعة الأحد تثير تساؤلات حول “تكلفة التوسع”؛ فهل ستحتاج وايمو لإعادة برمجة سياراتها لكل سيناريو طارئ؟
في المقابل، فإن قدرة تسلا على التوسع (Scalability) تبدو أكثر استدامة اقتصادياً؛ لأن نظامها لا يتطلب استثمارات ضخمة في رسم خرائط المدن ولا يتأثر بتعطل الأنظمة الخارجية. بالنسبة للمستثمرين، يظل سهم تسلا يمثل رهاناً على ريادة برمجيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على التكيف، وهو ما يفسر العلاوة السعرية التي يحظى بها السهم مقارنة بشركات السيارات التقليدية.
ختاما لم تكن أزمة الكهرباء مجرد فشل تقني لوايمو، بل كانت لحظة كاشفة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في بيئات العالم الحقيقي غير المستقرة. الانتصار “المعنوي” والتقني الذي حققته تسلا في هذا الاختبار الميداني عزز من جاذبية الشركة في عيون المحللين، مما دفع سهم تسلا للريادة مجدداً. لقد أثبت الواقع أن معركة الروبوتاكسي لن تُحسم بمجرد امتلاك مستشعرات غالية الثمن، بل بالقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة التي تنطفئ فيها كافة الأنوار الضوئية والخرائط الرقمية.
اقرأ أيضا…



