الين الياباني يتراجع بشكل حاد بعد قرارات بنك اليابان

شهدت أسواق الصرف العالمية تحولات دراماتيكية يوم الجمعة، حيث تراجع الين الياباني بشكل حاد مدفوعاً بحالة من خيبة الأمل المتزايدة بين المتداولين والمستثمرين على حد سواء. جاء هذا الهبوط العنيف عقب اجتماع بنك اليابان المركزي (BOJ)، الذي ورغم اتخاذه خطوة لرفع أسعار الفائدة، إلا أنه فشل في تقديم خارطة طريق واضحة أو إشارات حازمة حول وتيرة التشديد النقدي في المستقبل. هذا التردد دفع العملة اليابانية للانزلاق نحو مستويات فنية ونفسية حرجة، مما أعاد إلى الأذهان سيناريوهات التدخل المباشر من قبل السلطات المالية في طوكيو لحماية استقرار الاقتصاد الوطني.
قرار بنك اليابان: رفع الفائدة ولكن دون “نبرة حازمة”
في خطوة كانت مرتقبة وتم التمهيد لها بعناية من قبل صناع السياسة، رفع بنك اليابان سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 0.75%، صعوداً من المستوي السابق البالغ 0.5%. ورغم أن هذا التحرك يمثل استمراراً لنهج التخلي عن السياسة النقدية فائقة التيسير، إلا أن الأسواق استقبلته ببرود شديد، بل وبموجات بيع معاكسة.
لماذا تراجع الين الياباني رغم رفع الفائدة؟
تكمن العلة الأساسية في تفاصيل المؤتمر الصحفي للمحافظ “كازو أويدا”؛ حيث اتسمت تصريحاته بقدر عالٍ من “الحذر المفرط” والغموض فيما يخص التوقيت والوتيرة المستهدفة للزيادات القادمة. هذا التوجه “الحمائمي” (Dovish) رغم الرفع الفعلي للفائدة، رسخ قناعة لدى المستثمرين بأن الفجوة في العوائد بين اليابان والاقتصادات الغربية – وتحديداً الولايات المتحدة – ستظل واسعة لفترة أطول مما كان مأمولاً. ونتيجة لذلك، تسارعت عمليات “التداول بالفوارق” (Carry Trade)، مما أدى إلى ضغوط بيع مكثفة استهدفت الين الياباني لصالح العملات ذات العوائد المرتفعة.
أداء الين الياباني أمام العملات الكبرى: مستويات تاريخية
لم يكن التراجع مجرد تذبذب عابر، بل سجلت العملة اليابانية مستويات دنيا تعكس حالة من القلق العميق في الأسواق:
- أمام الدولار الأمريكي: قفز الزوج ليصل إلى ذروة عند 157.365 ين، وهي أقوى قفزة يومية للعملة الخضراء منذ مطلع أكتوبر الماضي، مما يعكس قوة الدولار السيادية وضعف الين الهيكلي.
- أمام اليورو: سجلت العملة الموحدة مستويات تاريخية غير مسبوقة عند 183.25 ين، مما يضع ضغوطاً إضافية على الميزان التجاري الياباني مع منطقة اليورو.
- أمام الجنيه الإسترليني: ارتفع الإسترليني بنسبة 1.22% ليصل إلى 210.58 ين، وهو أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، مما يبرز حجم الفجوة النقدية بين لندن وطوكيو.
شبح التدخل الحكومي: هل تقترب لحظة الحسم؟
مع تجاوز الين الياباني لحاجز الـ 155 ين مقابل الدولار، انتقل النقاش في غرف التداول من “هل سيتم التدخل؟” إلى “متى سيحدث ذلك؟”. تاريخياً، أثبتت وزارة المالية اليابانية أنها لا تتردد في ضخ مليارات الدولارات لدعم العملة عندما تشعر أن التحركات أصبحت “مضاربية وغير مبررة”، كما حدث في يوليو 2024 حين لامس السعر مستويات الـ 162 ين.
ويؤكد الخبراء أن المحرك الرئيسي للتدخل ليس الرقم المطلق لسعر الصرف، بل “سرعة التقلبات” التي تربك الشركات اليابانية المعتمدة على الاستيراد وتزيد من تكلفة المعيشة. ومع دخول الأسواق فترة عطلات عيد الميلاد، حيث تتسم السيولة بالانخفاض، تزداد مخاطر التحركات الحادة، مما يجعل “التدخل الصامت” أو المفاجئ خلال العطلات خياراً مطروحاً بقوة على طاولة الحكومة اليابانية.
تحليل فني: يوضح ديريك هالبني، رئيس الأبحاث في MUFG، أن السوق كان يحتاج لوعود صريحة برفع مستمر لمعدلات الفائدة قصيرة الأجل لخلق “أرضية صلبة” للين، وبغياب هذه الوعود، أصبح الطريق مفتوحاً لمزيد من التراجع، مما يجعل مخاطر التدخل خلال فترة أعياد الميلاد حقيقة واقعة.
نظرة على التضخم والسياسة النقدية المستدامة
لا يزال بنك اليابان متمسكاً بفرضية أن التضخم الأساسي سيستقر حول مستهدفه البالغ 2% على المدى المتوسط، وتحديداً بحلول العام المالي 2027. ورغم رفع الفائدة، شدد البنك على أن أسعار الفائدة الحقيقية لا تزال في المنطقة “السالبة” أو المنخفضة للغاية مقارنة بمعدلات التضخم الحالية، مما يعني أن السياسة لا تزال “توسعية” في جوهرها. هذا التعهد بمواصلة التشديد التدريجي “فقط” في حال نمو الاقتصاد وفق التوقعات، يعطي انطباعاً بأن البنك يتحرك ببطء شديد لا يواكب تسارع الأحداث العالمية.
التفاعلات الدولية وأثرها على المشهد النقدي
لم ينفصل أداء الين الياباني عن المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي المعقد:
- الغموض الأمريكي: تقلب الدولار إثر بيانات تضخم متراجعة، لكن الشكوك حول دقة تلك البيانات بسبب “الإغلاق الحكومي” في الولايات المتحدة دفعت المستثمرين للجوء للعملة الخضراء كملاذ آمن، مما زاد من معاناة الين.
- ثبات المركزي الأوروبي: تصريحات كريستين لاجارد التي اتسمت بالحياد ورفضت تقديم وعود ببدء دورة تيسير قوية، منحت اليورو قوة نسبية سمحت له بكسر أرقام قياسية أمام الين.
- المعضلة البريطانية: رغم خفض الفائدة في لندن إلى 3.75%، إلا أن انقسام أعضاء لجنة السياسة النقدية أوحى للأسواق بأن التيسير القادم سيكون بطيئاً، مما دعم الإسترليني في مواجهة الضعف الياباني.
ختاما يواجه الين الياباني حالياً عاصفة مكتملة الأركان؛ فمن جهة هناك بنك مركزي يخشى التحرك بسرعة قد تضر بالنمو الهش، ومن جهة أخرى هناك أسواق عالمية لا ترحم التردد. تظل منطقة الـ 158-160 ين مقابل الدولار هي “خط الرمل” الذي قد لا تسمح طوكيو بتجاوزه دون رد فعل عنيف. يبقى المستثمر في حالة ترقب، فهل ينجح بنك اليابان في إدارة الخروج الهادئ من سياسة الفائدة المنخفضة، أم ستجبره الأسواق على تدخلات طارئة لإعادة التوازن؟
اقرأ أيضا…



