أسعار النفط تتجه لتسجيل ثاني خسارة أسبوعية

تسيطر حالة من الترقب والحذر على الأسواق العالمية حيث استقرت أسعار النفط خلال تعاملات يوم الجمعة، لكنها ظلت في طريقها لتسجيل ثاني تراجع أسبوعي على التوالي. يأتي هذا الأداء المتذبذب مدفوعاً بتضافر عدة عوامل جيوسياسية واقتصادية معقدة، أبرزها المخاوف المتزايدة من حدوث وفرة مفرطة في المعروض العالمي خلال العام القادم، وتوقعات بتهدئة التوترات في مناطق النزاع الكبرى، مما أدى إلى تآكل “علاوة المخاطر” الجيوسياسية التي كانت تعمل كمصدّ داعم للأسعار في الفترات السابقة.
ملخص أداء أسعار النفط اليوم
شهدت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.05% لتستقر عند حدود 59.85 دولاراً للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الأمريكي (WTI) بنسبة ضئيلة مسجلاً 56.12 دولاراً. أما على الصعيد الأسبوعي، فقد عكست الأرقام حالة الضعف العام في السوق؛ حيث سجل خام برنت انخفاضاً إجمالياً بنسبة 2.1%، في حين تراجع الخام الأمريكي بنسبة 2.3%، مما يعكس تحولاً في معنويات المستثمرين نحو البيع بدلاً من الشراء.
محركات تراجع أسعار النفط: وفرة المعروض هي الكلمة العليا
يجمع المحللون والخبراء على أن العامل الجوهري الذي يمارس ضغوطاً هبوطية مستمرة على أسعار النفط هو التوقعات المتزايدة بوجود “تخمة” حقيقية في الإمدادات العالمية خلال الدورة الاقتصادية المقبلة.
1. زيادة إنتاج أوبك+ والولايات المتحدة
من المرتقب أن تشهد الأسواق طفرة في الإنتاج ناتجة عن استراتيجيات مزدوجة؛ فمن جهة، هناك توجه لدى مجموعة “أوبك+” لزيادة الحصص، ومن جهة أخرى، يستمر نمو الإنتاج من الولايات المتحدة ودول خارج المنظمة بوتيرة متسارعة. وفي هذا الصدد، أشار “أولي هانسن”، رئيس استراتيجية السلع في “ساكسو بنك”، إلى أن استمرار الأسعار عند هذه المستويات المتدنية رغم الاضطرابات المحتملة يعد دليلاً قاطعاً على أن السوق “غارق في النفط” حالياً، موضحاً أن حجم المعروض المتاح كافٍ جداً لتحييد تأثير أي انقطاع مفاجئ في سلاسل التوريد.
2. الملف الفنزويلي وتعقيدات حركة الناقلات
ساهمت حالة الضبابية المحيطة بآليات تنفيذ الحصار الأمريكي المقترح من قِبل الرئيس ترامب على ناقلات النفط الفنزويلية الخاضعة للعقوبات في تهدئة حدة التوقعات بشأن نقص الإمدادات. فنزويلا، التي تساهم بنحو 1% من الإمدادات العالمية، أرسلت إشارة قوية للأسواق حين سمحت لشحنتين غير خاضعتين للعقوبات بالإبحار نحو الصين. هذه التحركات أعطت انطباعاً بأن القيود اللوجستية قد لا تكون بالصرامة المتوقعة، مما قلل من علاوة المخاطر الجيوسياسية وضغط على أسعار النفط نحو الأسفل.
3. آفاق السلام في أوكرانيا وتأثيرها النفسي
لعب التفاؤل الحذر بشأن خطة سلام محتملة تقودها الإدارة الأمريكية لإنهاء النزاع الروسي الأوكراني دوراً محورياً في تغيير خارطة التوقعات. إن احتمال إنهاء هذا النزاع يعني بالضرورة استقراراً أكبر في تدفقات الطاقة من منطقة أوراسيا، وهو ما دفع صناديق الاستثمار والمضاربين إلى إعادة تقييم مراكزهم الشرائية والتحوطية. هذا التحول النفسي في السوق أدى إلى عمليات بيع واسعة، حيث تلاشى الخوف من انقطاع الإمدادات الروسية، مما انعكس سلباً على مستويات الأسعار الحالية.
هل هناك قاع للأسعار؟
رغم سيطرة النظرة التشاؤمية على المدى القصير، يطرح محللو “بنك أوف أمريكا” فرضية اقتصادية قد تضع حداً لهذا التراجع. الرؤية تشير إلى أن الهبوط المستمر في أسعار النفط سيصل في النهاية إلى “نقطة التعادل” لبعض المنتجين ذوي التكلفة العالية، مما سيجبرهم على تقليص نشاطهم الإنتاجي أو تأجيل الاستثمارات الجديدة. هذا التراجع التلقائي في الاستثمار والإنتاج سيعمل كآلية تصحيح ذاتي داخل السوق، مما قد يمنع الأسعار من الدخول في حالة انهيار حر ويخلق أرضية صلبة للتعافي المستقبلي.
في الختام، تظل أسعار النفط عالقة في منطقة رمادية نتيجة التوازن القلق بين وفرة المعروض الحقيقية وتراجع حدة المخاطر السياسية. وبينما تشير التحليلات الفنية إلى ضعف واضح في الزخم الشرائي، يبقى المتداولون في حالة ترقب شديد لبيانات المخزونات الأمريكية الرسمية وقرارات “أوبك+” القادمة، إذ ستكون هذه البيانات هي المحرك الفعلي والبوصلة التي ستحدد ما إذا كانت الأسعار ستستقر عند مستوياتها الحالية أم أنها ستختبر مستويات دعم أكثر انخفاضاً.
اقرأ أيضا…



