أخبار الأسواقأخبار الدولار الأمريكيفوركس

الدولار الأمريكي يتراجع أمام العملات الرئيسية بعد بيانات تضخم

شهد الدولار الأمريكي انخفاضاً ملحوظاً في تداولات الأسواق العالمية يوم الخميس، وذلك في أعقاب صدور بيانات اقتصادية حيوية أظهرت ارتفاعاً في معدلات التضخم في الولايات المتحدة بنسب جاءت أقل من التوقعات السائدة. هذا التراجع المفاجئ في الزخم منح العملات المنافسة، وعلى رأسها الجنيه الإسترليني والين الياباني، فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس وتعزيز مواقعها في مناطق سعرية أكثر استقراراً بعد فترة من الهيمنة المطلقة للعملة الخضراء.

بيانات التضخم الأمريكية تضغط على الدولار الأمريكي

وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العمل الأمريكية، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) بنسبة 2.7% على أساس سنوي في شهر نوفمبر. ورغم أن هذا الرقم يمثل زيادة اسمية، إلا أنه جاء مخيباً لآمال المراهنين على صعود العملة، حيث كانت توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت “رويترز” آراءهم تشير إلى ارتفاع بنسبة 3.1%.

هذا التباين بين الأرقام المحققة والتوقعات يشير بوضوح إلى أن الضغوط التضخمية قد بدأت في الانحسار بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، مما يقلل من حاجة مجلس الاحتياطي الفيدرالي لتبني سياسات نقدية متشددة للغاية. وقد أدت هذه الأرقام فور صدورها إلى زيادة الضغوط البيعية على الدولار الأمريكي، حيث سارع المستثمرون إلى إعادة تقييم احتمالات خفض أسعار الفائدة في الاجتماعات المقبلة، مما أدى إلى انخفاض العوائد على سندات الخزانة الأمريكية بالتوازي مع هبوط العملة.

تحركات الدولار الأمريكي مقابل الين والفرنك

  • أمام الين الياباني: تراجع الدولار بنسبة 0.12% ليصل إلى مستوى 155.48 ين، حيث استفاد الين من ضيق الفجوة بين عوائد السندات الأمريكية واليابانية.
  • أمام الفرنك السويسري: هبطت العملة الأمريكية بنسبة 0.16% لتستقر عند 0.794 فرنك، مما يعكس لجوء بعض المستثمرين إلى العملات التي تعتبر ملاذاً آمناً في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي الأمريكي.

ويرى مارفن لوه، كبير استراتيجيي الأسواق العالمية في “ستيت ستريت” في بوسطن، أن “هامش الخطأ في هذا الإصدار يثير تساؤلات جدية حول مدى تأثير هذه البيانات على مناقشات جمع البيانات التقليدية مستقبلاً”. وأضاف موضحاً التحدي القادم أن الأسواق تسعر بالفعل وصول الفيدرالي إلى مستويات الفائدة “المحايدة” خلال الـ 12 شهراً القادمة، وهذا يعني أن أي دفع إضافي للهبوط يتطلب إما اليقين بأن الفيدرالي سيتجاوز المنطقة المحايدة نحو التيسير، أو الاعتقاد بدخول الاقتصاد في ركود عميق، وهو أمر لا تظهر بوادره بوضوح حتى الآن.

الجنيه الإسترليني والبنك المركزي البريطاني

في المقابل، سجل الجنيه الإسترليني ارتفاعاً لافتاً بنسبة 0.29% ليصل إلى 1.3414 دولار، مستفيداً من حالة الضعف العام في الدولار الأمريكي. جاء هذا الصعود رغم قرار بنك إنجلترا (BoE) خفض أسعار الفائدة للمرة الرابعة هذا العام، في خطوة تعكس انقساماً حاداً داخل لجنة السياسة النقدية.

إلا أن “تأثير الخفض” امتصته تصريحات المحافظ التي لمحت إلى أن المساحة المتاحة لمزيد من التيسير النقدي أصبحت “محدودة للغاية”. هذه النبرة الحذرة دفعت المتداولين إلى إعادة ضبط توقعاتهم، حيث تم تأجيل تسعير الخفض القادم من شهر أبريل إلى يونيو 2026. وصرح توم بريسكوت، متداول العملات الأجنبية في “إنفيستيك”، بأن الإسترليني قد يمتلك مساحة إضافية للصعود مع استمرار الأسواق في معايرة نظرتها المستقبلية للعامين القادمين بناءً على هذه المعطيات الجديدة.

اليورو وترقب قرارات البنك المركزي الأوروبي

أما اليورو، فقد اتسم أداؤه بالاستقرار ضمن نطاقات تداول متذبذبة بعد أن أبقى البنك المركزي الأوروبي (ECB) على أسعار الفائدة دون تغيير. اللافت في بيان البنك هو تبني نظرة أكثر إيجابية ومرونة تجاه اقتصاد منطقة اليورو، الذي أثبت قدرة غير متوقعة على الصمود في وجه صدمات التجارة العالمية والتوترات الجيوسياسية.

واستقر زوج اليورو/الدولار عند مستوى 1.1739 دولار تقريباً، بينما استقر مؤشر الدولار (DXY) عند 98.329 نقطة. وتعكس هذه التحركات رغبة الأسواق في انتظار المزيد من الإشارات حول التوازن بين النمو والتضخم في القارة العجوز قبل اتخاذ مراكز شرائية أو بيعية كبيرة.

التأثيرات السياسية والقيادة القادمة للفيدرالي

لم تغب الضغوط السياسية عن المشهد، حيث أدلى الرئيس دونالد ترامب بتصريحات واضحة أكد فيها أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي القادم يجب أن يكون شخصاً يؤمن بضرورة خفض أسعار الفائدة “بقدر كبير”. هذا النوع من الضغط السياسي العلني يثير مخاوف المستثمرين بشأن استقلالية البنك المركزي في المستقبل.

وتتجه الأنظار الآن نحو قائمة المرشحين المحتملين التي تضم كلاً من كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، وكيفن وارش، العضو السابق في مجلس المحافظين، وكريس والر، المحافظ الحالي. القاسم المشترك بين هؤلاء المرشحين هو ميلهم العلني لخفض الفائدة، مما قد يضع ضغوطاً هيكلية هبوطية طويلة الأمد على قيمة الدولار الأمريكي في حال تم تبني هذه الرؤية رسمياً.

توقعات الأسواق الآسيوية وقرار بنك اليابان

على الجانب الآخر من العالم، تترقب الأسواق الآسيوية بحذر قرار بنك اليابان (BoJ) المتوقع يوم الجمعة. حيث يسود يقين شبه تام لدى المحللين بأن البنك سيتجه لرفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل من 0.5% إلى 0.75%.

تأتي هذه الخطوة الجريئة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الغذاء والسلع الأساسية، مما يبقي التضخم فوق مستهدف البنك البالغ 2%. وفي حال تحقق هذا الرفع، فإنه سيمثل نقطة تحول كبرى قد تزيد من جاذبية الين وتعمق جراح الدولار الأمريكي في سوق الصرف الأجنبي.

في الختام، يظل مسار الدولار الأمريكي في المدى المتوسط رهيناً ببيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) – المقياس المفضل لدى الفيدرالي للتضخم – والتي ستحدد ما إذا كان التباطؤ الحالي مجرد سحابة صيف أم اتجاه طويل الأمد. فنيّاً، يراقب المحللون مستويات الدعم الرئيسية؛ فكسر هذه المستويات مع استمرار النبرة السياسية الداعية لخفض الفائدة قد يفتح الباب أمام موجة هبوطية أعمق، مما يعيد تشكيل خارطة القوى في سوق العملات العالمي.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى