أخبار الأسواقاخبار اقتصاديةأخبار الدولار الأمريكي

التضخم في أمريكا يهبط دون التوقعات في نوفمبر

سجلت بيانات التضخم الأمريكية لشهر نوفمبر مفاجأة إيجابية مدوية للأسواق والمستثمرين، حيث جاءت الأرقام أدنى من التوقعات بكثير، مما عزز الآمال العريضة في أن الضغوط التضخمية التي أرقت الاقتصاد العالمي بدأت تبرد وتتراجع بوتيرة تسمح لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بتبني سياسة نقدية أكثر مرونة وتيسيراً مما كانت تخشاه الأوساط المالية في “وول ستريت”.

مؤشر أسعار المستهلكين: أرقام تكسر حاجز التقديرات

أظهر التقرير المتأخر الصادر عن مكتب إحصاءات العمل (BLS) أن مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) ارتفع بمعدل سنوي قدره 2.7% خلال شهر نوفمبر. هذه القراءة لم تكن مجرد تراجع بسيط، بل جاءت أقل بكثير من توقعات كبار المحللين والاقتصاديين الذين استطلعت “داو جونز” آراءهم، والذين استقر تقييمهم الإجماعي عند نمو بنسبة 3.1%. هذا الفارق الجوهري يشير إلى تسارع وتيرة انحسار التضخم في قطاعات الخدمات والسلع الأساسية.

وعلى صعيد التضخم الأساسي (Core CPI) -الذي يمثل المقياس الأكثر دقة لاتجاهات الأسعار طويلة الأمد كونه يستثني تقلبات الغذاء والطاقة- فقد سجل التقرير تباطؤاً جوهرياً، حيث ارتفع بنسبة 2.6% على أساس سنوي. وكان هذا الرقم مفاجئاً للمستثمرين الذين ترقبوا زيادة قدرها 3%، مما يعكس انخفاضاً في ضغوط التكاليف داخل المكونات الهيكلية للاقتصاد، مثل الإيجارات والخدمات الطبية.

تداعيات الإغلاق الحكومي وتعقيدات جمع البيانات

يعتبر هذا التقرير ذا أهمية خاصة واستثنائية؛ فهو الأول الذي يغطي الفترة الضبابية التي شهدت إغلاقاً جزئياً للحكومة الأمريكية. هذا الانقطاع الإداري أدى إلى تداعيات ملموسة على المشهد الإحصائي، منها:

  1. ارتباك العمل الميداني: تعطيل عمليات جمع البيانات المباشرة وتدقيق الأسعار في مراكز التسوق والخدمات، مما جعل التقرير الحالي بمثابة “تصفية حسابات” إحصائية شاملة.
  2. الفجوة الزمنية: إلغاء إصدار بيانات شهر أكتوبر تماماً، مما خلق فجوة معلوماتية جعلت الأسواق تتحرك بناءً على تكهنات بدلاً من أرقام صلبة لعدة أسابيع.
  3. التأجيل القسري: تأخير صدور هذا التقرير الذي كان مرتقباً في العاشر من ديسمبر، مما راكم الضغوط البيعية على الأسهم قبل أن تأتي هذه النتائج لتعيد الثقة.

تحليل السياسة النقدية: تفعيل إستراتيجية “الحماية”

رغم هذا التأخير الإحصائي، انكب المستثمرون على تحليل التقرير بعمق لاستنباط المسار المستقبلي للفيدرالي الأمريكي. وتأتي هذه البيانات في وقت حساس للغاية، إذ خفض البنك المركزي بالفعل أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس مطلع هذا الشهر، في ثالث خطوة تيسيرية متتالية، مما يشير إلى تحول جذري من سياسة التشدد إلى سياسة دعم النمو.

وفي تحليل أثار اهتمام الأوساط المالية، أوضح توم لي، رئيس الأبحاث في “Fundstrat”، أن ترويض التضخم سيمنح الفيدرالي الضوء الأخضر للتركيز الكامل على منع تدهور سوق العمل. وأوضح قائلاً: “نشهد الآن تفعيل ما يسمى بـ (Fed Put) أو (خيار الحماية)؛ فبمجرد انحسار شبح الأسعار المرتفعة، يصبح الفيدرالي مستعداً للتدخل الفوري عبر خفض الفائدة إذا ظهرت أي بوادر لضعف التوظيف أو مخاطر الركود، وهو ما يمثل بيئة خصبة لانتعاش أسواق الأسهم”.

رد فعل الأسواق المالية: استعادة الزخم الصعودي

استقبلت منصات التداول هذه الأرقام بموجة من التفاؤل الفوري، حيث انعكس ذلك في:

  • انتعاش العقود الآجلة: قفزت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 بنسبة 0.5% فور صدور البيانات، مما أعاد اللون الأخضر لشاشات التداول.
  • كسر سلسلة الخسائر: نجحت هذه البيانات في وقف نزيف النقاط الذي استمر لأربعة أيام متتالية للمؤشر المعياري، مما يشير إلى تغيير في معنويات المستثمرين من الحذر إلى الرغبة في المخاطرة.
  • تغير الرهانات: تضاعفت رهانات الأسواق على أن الفيدرالي قد يضطر لخفض الفائدة بوتيرة أسرع أو بجرعات أكبر في الاجتماعات القادمة لتجنب “الهبوط الخشن” للاقتصاد.

الخلاصة والتوقعات المستقبلية

إذا ما وضعنا قراءة نوفمبر (2.7%) في سياقها المقارن مع شهر سبتمبر الذي سجل 3%، ندرك أن منحنى التضخم في الولايات المتحدة لا يتراجع فحسب، بل يتخذ مساراً نزولياً مستقراً ومستداماً. إن اقتراب التضخم الأساسي من مستوى 2.6% يجعل الفيدرالي على مسافة قريبة جداً من مستهدفه الذهبي البالغ 2%. هذا النجاح في كبح جماح الأسعار يمنح صانع السياسة النقدية الرفاهية الكافية للتوقف عن كونه “محارباً للتضخم” ليصبح “حارساً للنمو”، وهو التحول الذي كانت تنتظره الأسواق العالمية بفارغ الصبر لضمان استمرار الدورة الاقتصادية الحالية.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى