أخبار الأسواقأخبار اليورو دولارأخبار الإسترليني دولاراخبار اقتصادية

ختام 2025: ثلاثة تثبيتات وخفض وحيد.. كيف ترسم البنوك المركزية الأوروبية ملامح العام الجديد؟

يستعد المستثمرون وصناع القرار في الأسواق المالية العالمية لترقب الجولة الختامية من قرارات السياسة النقدية لعام 2025، حيث تتجه الأنظار يوم الخميس نحو أربعة من كبار البنوك المركزية في القارة الأوروبية. وفي ظل مشهد اقتصادي معقد يسوده الحذر، تشير التوقعات المجمع عليها إلى أن “التريث الاستراتيجي” سيكون هو الشعار الغالب على هذه الاجتماعات، مع استثناء وحيد لافت قد يأتي من المملكة المتحدة، مما يعكس تبايناً في سرعة التعافي ومواجهة الضغوط التضخمية.

بينما يستعد كل من البنك المركزي الأوروبي، وبنك السويد المركزي (Riksbank)، والبنك المركزي النرويجي (Norges Bank) للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير ضمن مناطق الأمان الحالية، يبدو أن بنك إنجلترا يغرد خارج السرب باتجاه خفض تكاليف الاقتراض. هذا التباين يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول عمق المسارات الاقتصادية المتفاوتة داخل القارة العجوز والنتائج المترتبة على هذه الفجوة في السياسات النقدية خلال العام المقبل.

البنك المركزي الأوروبي: انقسام داخلي عميق وتوقعات بنمو متفائل

من المتوقع على نطاق واسع أن يبقي البنك المركزي الأوروبي (ECB) على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية دون تعديل. ورغم أن البيانات الاقتصادية الكلية الأخيرة لا تظهر حاجة ملحة للتغيير الفوري، إلا أن اهتمام الأسواق سينصب بشكل مكثف على ما يدور في “كواليس” مجلس المحافظين، حيث تبرز ملامح انقسام فني وأيديولوجي حول الخطوة القادمة.

تتصاعد حدة التوترات داخل المجلس بوضوح؛ حيث تتبنى أصوات “صقورية” مثل إيزابيل شابل نظرة استباقية تدعم رفع الفائدة مستقبلاً، متماشية مع رؤية الأسواق التي تخشى عودة الضغوط التضخمية الكامنة. وفي المقابل، يرى الجانب “الحمائمي” أن هناك مساحة كافية لمزيد من التيسير النقدي لدعم الطلب المحلي. وفي هذا الصدد، يرى كريستيان كوبف، رئيس إدارة محفظة السندات في “Union Investment”، أن حالة الجمود الحالية قد تستمر طويلاً، مستبعداً أي تغيير في منطقة اليورو قبل نهاية عام 2026 أو مطلع عام 2027، حيث قد نشهد حينها أول تحرك جدي نحو الرفع.

نقطة التركيز الاستراتيجية: من المنتظر أن يصحب القرار نشر جولة جديدة من توقعات الموظفين، حيث تشير التسريبات إلى احتمال رفع تقديرات النمو الاقتصادي لمنطقة اليورو. هذا التفاؤل يعكس مرونة هيكلية غير متوقعة في الاقتصاد الأوروبي، وقد يمنح البنك ذريعة قوية للاستمرار في سياسة التثبيت لفترة أطول لضمان استقرار الأسعار بالتوازي مع النمو.

بنك إنجلترا: الخفض الوحيد في مواجهة تباطؤ الزخم

على نقيض جيرانه في القارة، يبرز بنك إنجلترا (BoE) كالمؤسسة الوحيدة المستعدة لتقليص تكاليف الائتمان في هذا التوقيت. وتشير التقديرات إلى أن أغلبية طفيفة داخل لجنة السياسة النقدية المكونة من تسعة أعضاء ستميل نحو خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، ليهبط المعدل الأساسي إلى 3.75%.

تحليل مسببات التحرك البريطاني:

  1. انكسار حدة التضخم: هبوط التضخم إلى مستويات 3.2% في نوفمبر منح اللجنة الثقة بأن المسار التنازلي بات أكثر استدامة، رغم بقائه فوق مستهدف الـ 2%.
  2. المؤشرات الاقتصادية القاتمة: تزايدت المخاوف مع صدور أرقام نمو باهتة وارتفاع طفيف في معدلات البطالة، مما استوجب تدخل السياسة النقدية لمنع انزلاق الاقتصاد نحو الركود.
  3. تأثير ميزانية الخريف: لعبت الإجراءات المالية للحكومة دوراً حاسماً؛ حيث اعتُبر تجميد رسوم الوقود ودعم فواتير الطاقة عوامل “انكماشية” تخفف الضغط على مؤشر أسعار المستهلك، مما أعطى البنك الضوء الأخضر لتحفيز الاستهلاك والشركات عبر خفض الفائدة.

بنك النرويج: “لا عجلة” وتصدي لتوقعات الأسواق

في أوساط الاقتصاد النرويجي، يسود إجماع صلب على تثبيت الفائدة عند مستوى 4%. ورغم تزايد رهانات المتداولين على خفض محتمل في مارس القادم، إلا أن المحللين في “جي بي مورغان” يحذرون من أن هذه التوقعات قد تصطدم بنبرة حذرة جداً من المحافظة “إيدا ولدن باتش”.

ويرى الخبراء أن البنك المركزي النرويجي سيسعى عمداً لإحباط التوقعات المتفائلة بالخفض السريع، مع ترجيح تأجيل أي خطوة تيسيرية حتى يونيو 2026. تظل العقيدة الحالية للبنك ترتكز على عبارة “لسنا في عجلة من أمرنا”، مع التأكيد على أن التضخم الأساسي لا يزال يتطلب سياسة نقدية تقييدية لضمان عدم خروج التوقعات التضخمية عن السيطرة في اقتصاد يعتمد بشدة على تقلبات أسعار الطاقة.

بنك السويد: استقرار طويل الأمد بعد دورة التيسير

أما في السويد، فيبدو أن البنك المركزي السويدي (Riksbank) قد طوى صفحة دورة التيسير النقدي السريعة. فبعد خفض الفائدة في سبتمبر الماضي والتوقف في نوفمبر، يتوقع الخبراء تثبيتها الآن عند 1.75%.

وتشير تحليلات “UBS Investment Bank” إلى أن البنك المركزي قد استنفد قدرته على الخفض في الوقت الحالي، وأن أي تطورات اقتصادية منذ نوفمبر لم تكن قوية بما يكفي لتعديل هذه الرؤية. الهدف السويدي الحالي هو مراقبة أثر التخفيضات السابقة على الاقتصاد الحقيقي، مع الحفاظ على معدلات الفائدة الحالية “لفترة طويلة” لضمان ترسيخ مستويات الأسعار الحالية ومنع أي ضعف مفاجئ في العملة المحلية (الكرونا).

ختاما تجسد هذه القرارات حالة من “اليقين الحذر”؛ فبينما تحاول لندن استباق التباطؤ بحفنة من التخفيضات المدروسة، تفضل فرانكفورت وأوسلو وستوكهولم التمسك بمواقعها لمراقبة المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. بالنسبة للمستثمرين، لن يكون القرار بحد ذاته هو الخبر الأهم، بل تكمن الأهمية في “النبرة التوجيهية” (Forward Guidance) والرسائل المضمنة في المؤتمرات الصحفية، والتي ستحدد مسار تدفقات رؤوس الأموال واتجاهات العملات الأوروبية مع دخولنا الربع الأول من عام 2026.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى