الجنيه الإسترليني يتراجع مع انخفاض التضخم

شهدت الأسواق المالية العالمية تحركات حادة اليوم الأربعاء، حيث تصدر الجنيه الإسترليني المشهد بتراجع ملحوظ مقابل سلة من العملات الرئيسية، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي الذي استعاد بريقه. يأتي هذا الهبوط الحاد مدفوعاً ببيانات تضخم بريطانية جاءت أقل من التوقعات بكثير، مما أدى إلى تحول جذري في تسعير المستثمرين لمستقبل السياسة النقدية، وعزز الرهانات على أن بنك إنجلترا (BoE) بات قاب قوسين أو أدنى من بدء دورة تيسير نقدي واسعة.
التضخم في بريطانيا: مفاجأة نوفمبر تعيد رسم المسار الاقتصادي
أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاء الوطني اليوم أن مؤشر أسعار المستهلكين في المملكة المتحدة تباطأ بشكل حاد وغير متوقع ليصل إلى 3.2% على أساس سنوي في شهر نوفمبر، مقارنة بـ 3.6% المسجلة في أكتوبر الماضي. يعد هذا المستوى هو الأدنى للضغوط التضخمية منذ مارس 2021، وهو ما يعكس انحساراً تدريجياً في أسعار الطاقة والغذاء التي أرهقت كاهل الأسر البريطانية.
هذا التباطؤ لا يمثل مجرد رقم إحصائي، بل هو مؤشر على أن السياسة المتشددة التي انتهجها البنك المركزي بدأت تؤتي ثمارها في كبح الطلب المحلي. ومع ذلك، فإن وصول التضخم إلى هذه المستويات يضع ضغوطاً سياسية واقتصادية هائلة على صناع القرار للبدء في خفض تكاليف الاقتراض لدعم النمو الاقتصادي المتباطئ وتجنب شبح الركود.
تأثير البيانات على الجنيه الإسترليني والأسواق المالية
تفاعل “الكابل” (زوج الإسترليني/دولار) سلبياً وبشكل فوري وعنيف مع هذه الأرقام، حيث سجلت العملة البريطانية أكبر هبوط يومي لها منذ ما يقرب من شهر. ويعزى هذا التراجع إلى الآتي:
- إعادة تقييم العائد: انخفاض التضخم بأكثر من المتوقع يقلص من جاذبية العوائد على الأصول المقومة بالإسترليني، حيث تتوقع الأسواق الآن أن الفجوة بين أسعار الفائدة في بريطانيا والولايات المتحدة قد تتقلص لصالح الأخيرة.
- انزياح التوقعات النقدية: تسعّر العقود الآجلة الآن احتمالية تتجاوز 70% لقيام البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة في اجتماعه المرتقب يوم الخميس، بعد أن كان المحللون يتوقعون تثبيتها لفترة أطول. إن أي تلميح من لجنة السياسة النقدية حول “ذروة الفائدة” قد يدفع الإسترليني لمزيد من النزيف.
الدولار يترقب بيانات التضخم الأمريكية: ترقب حذر وسيادة مؤقتة
على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، حافظ الدولار الأمريكي على مكاسبه القوية وسط حالة من الترقب المشوب بالحذر. ينتظر المستثمرون صدور بيانات تضخم أسعار المستهلكين الأمريكية (CPI) للحصول على مفاتيح فك شفرة الخطوة القادمة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
بينما تضعف العملة البريطانية نتيجة “تراجع التضخم المحلي”، تظل قوة الدولار مرتبطة بمدى “صلابة” التضخم في الولايات المتحدة؛ فإذا جاءت البيانات الأمريكية أعلى من التوقعات، فإن ذلك سيعني استمرار الفيدرالي في سياسته المتشددة لفترة أطول، مما يعمق الفجوة النقدية ويضغط بشكل مضاعف على الإسترليني والعملات الأوروبية الأخرى التي تعاني أصلاً من ضعف النمو.
تحليل فني ونظرة مستقبلية لأسواق العملات
من الناحية التحليلية، يواجه الجنيه الإسترليني ضغوطاً فنية هابطة بعد كسر مستويات دعم فنية وتاريخية هامة. إن كسر مستوى الدعم الحالي قد يفتح الباب أمام استهداف مستويات دنيا لم تشهدها الأسواق منذ أشهر. وإذا ما اقترن قرار بنك إنجلترا غداً بنبرة “حمائمية” (تميل لخفض الفائدة)، فإن الضغوط البيعية قد تتسارع.
في الختام، تعيش الأسواق حالة من “إعادة ترتيب الأوراق”؛ حيث انتقل التركيز من “إلى أي مدى ستصل الفائدة؟” إلى “متى سيبدأ الخفض الأول؟”. وفي هذا السباق، يبدو أن المملكة المتحدة قد تكون السباقة، مما يجعل الإسترليني عرضة لتقلبات حادة في الأمد القصير.
اقرأ أيضا…



