الفضة تتجاوز 65 دولار: تحليل صعود أسعار الفضة والذهب في ظل تباطؤ سوق العمل الأمريكي

شهدت أسعار الفضة قفزة قياسية غير مسبوقة يوم الأربعاء، لتتجاوز عتبة الـ 65 دولاراً للأونصة للمرة الأولى على الإطلاق. وقد تزامن هذا الصعود الحاد مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الذهب، وذلك في أعقاب صدور بيانات سوق العمل الأمريكية التي أشارت إلى تباطؤ واضح في وتيرة نمو التوظيف. هذه التطورات أعادت إحياء التوقعات بخفض إضافي لأسعار الفائدة في العام المقبل، مما عزز جاذبية المعادن الثمينة كأصول تحوطية لا تدر عائداً في مواجهة تراجع قيمة الدولار.
الارتفاعات القياسية في أسعار الفضة والذهب
سجل سعر الفضة الفوري ارتفاعاً قوياً بنسبة 3.9% ليصل إلى 66.28 دولار للأونصة، بعد أن وصل في وقت سابق من الجلسة إلى مستوى قياسي جديد على الإطلاق عند 66.52 دولارا.
يعكس هذا الارتفاع المفاجئ زخما كبيرا في الطلب المضاربي والاستثماري. وفي السياق ذاته، ارتفعت أسعار الذهب الفوري بنسبة 0.8% لتصل إلى 4,337.85 دولار للأونصة، فيما سجلت العقود الآجلة للذهب الأمريكي ارتفاعاً مماثلاً بنسبة 0.8% لتستقر عند 4,368.60 دولار، مما يؤكد التحول الإيجابي في شهية المخاطر تجاه الأصول الثمينة.
المحفز الاقتصادي يتمثل في معدل البطالة وتوقعات الاحتياطي الفيدرالي
جاء هذا الزخم القوي في سوق المعادن الثمينة عقب البيانات الصادرة في الولايات المتحدة، والتي كشفت عن ارتفاع معدل البطالة إلى 4.6% في شهر نوفمبر، متجاوزاً بذلك توقعات استطلاع أجرته رويترز والتي كانت تشير إلى 4.4%.
ويُعد ضعف سوق العمل محفزاً رئيسياً للمعادن الثمينة لسببين؛ الأول هو أنه يقلل من الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع الأجور، والثاني هو أنه يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للتحول نحو التيسير النقدي. وفي هذا الصدد، أشار برايان لان، المدير الإداري لشركة GoldSilver Central، إلى أن “بيانات البطالة قد ساعدت بالتأكيد المعادن الثمينة وأضعفت الدولار”، مما دفع المستثمرين للبحث عن فئات أصول أخرى توفر عوائد أعلى كتحوط ضد المخاطر المتزايدة.
تاريخياً، تزدهر الأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب والفضة في بيئات أسعار الفائدة المنخفضة، حيث ينخفض ما يُعرف بـ “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة هذه المعادن مقارنة بالسندات والدولار. وبعد أن أجرى الاحتياطي الفيدرالي خفضه الثالث والأخير لأسعار الفائدة لهذا العام الأسبوع الماضي، كان المستثمرون يفسرون تصريحات رئيس البنك جيروم باول على أنها أقل تشدداً مما كان متوقعاً. ومع بيانات البطالة الأخيرة، تعززت التوقعات بأن البنك سيبدأ دورة تيسير نقدي أوسع في المستقبل، ولا يزال التجار يتوقعون خفضين إضافيين بمقدار 25 نقطة أساس لكل منهما في عام 2026.
العوامل الهيكلية: الطلب الصناعي والضغط المضاربي
بعيداً عن العوامل النقدية، تشهد أسعار الفضة دعماً هيكلياً متزايداً من جهة الطلب الصناعي، خاصة في قطاعات الطاقة الخضراء والإلكترونيات عالية التقنية. وتأتي أهمية هذا المعدن حالياً من دوره المحوري في إنتاج الألواح الشمسية (Solar Panels) والمكونات الأساسية لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي (AI)، حيث تُستخدم الفضة لخصائصها الممتازة في التوصيل الكهربائي.
ويوضح كونال شاه، رئيس الأبحاث في شركة نيرمال بانج للسلع في مومباي، وجود “ضغط بيع مكثف (Short Squeeze) يحدث في الفضة”. ويحدث هذا الضغط عندما يضطر المضاربون الذين راهنوا على انخفاض السعر إلى الشراء بشكل عاجل لتغطية مراكزهم الخاسرة، مما يغذي الارتفاع. وأشار شاه إلى أن جانب العرض لم يستجب بالشكل المطلوب بعد أن أدت الزيادة في الطلب الصناعي، المقترنة بإدراج الولايات المتحدة الفضة مؤخراً ضمن قائمة “المعادن الحيوية”، إلى تفاقم الضغط على الأسعار. وأكد أن “كل دولة تخطط لدخول مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ستحتاج إلى المزيد من الفضة”، مما يشير إلى أن الاتجاهات الحالية قد تدفع أسعار الفضة نحو 70 دولاراً في المدى القريب، مدعومة بتزايد الاستخدام في التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي.
مراقبة مؤشرات التضخم المستقبلية
ينتظر المستثمرون بحذر الآن بيانات مؤشر أسعار المستهلك (CPI) الأمريكي المقررة يوم الخميس، ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وهو مقياس التضخم المفضل لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي، المقرر صدوره يوم الجمعة. ستوفر هذه البيانات مزيداً من الوضوح حول المسار المستقبلي لسياسة الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات أسعار الفائدة. إذا جاءت أرقام التضخم أضعف من المتوقع، فمن المرجح أن تتعزز توقعات خفض الفائدة، مما يزيد من جاذبية الذهب والفضة.
أداء المعادن الثمينة الأخرى
لم يقتصر الارتفاع على الذهب والفضة فحسب، بل شمل معادن أخرى تؤثر عليها نفس الديناميكيات الاقتصادية الكلية:
- البلاتين: ارتفع بنسبة 3.6% ليصل إلى 1,916.80 دولاراً، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من 17 عاماً وتحديداً منذ يوليو 2008، مدعوماً بزيادة الطلب الصناعي والتحوط.
- البلاديوم: أضاف 0.7% ليصل إلى 1,615.28 دولاراً، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين، مما يشير إلى انتعاش عام في قطاع المعادن الثمينة.
ختاما إن التفاعل بين تباطؤ سوق العمل، وتوقعات خفض أسعار الفائدة، والطلب الهيكلي المتزايد من قطاعات الطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعي، يضع أسعار الفضة في مسار تصاعدي قوي يراقب المستثمرون مداه بدقة بحثاً عن مستويات مقاومة جديدة.
اقرأ أيضا…



