أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تقفز 1.5%: كيف أشعل حصار ترامب لفنزويلا فتيل التوترات الجيوسياسية؟

شهدت أسعار النفط تحركات مفاجئة يوم الأربعاء مع قفزة تجاوزت 1% بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حصار “كامل وشامل” على ناقلات النفط المرتبطة بفنزويلا. هذا التصعيد الجيوسياسي عزز التوترات في السوق، وأعاد شبح انقطاع الإمدادات إلى الواجهة، وجاء في توقيت دقيق تزايدت فيه المخاوف بشأن مستويات الطلب العالمي الهشة بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي في آسيا وأوروبا. هذا التحرك المفاجئ يذكر المستثمرين بأن أسعار الطاقة لا تخضع فقط لمنطق العرض والطلب بل تظل رهينة للقرارات السياسية الحادة.

الارتفاع الملموس لخام برنت وغرب تكساس الأمريكي

سجلت عقود خام برنت الآجلة ارتفاعا بنحو 87 سنتا، أي ما يعادل 1.5%، لتصل إلى 59.79 دولار للبرميل الواحد بحلول الساعة 07:30 بتوقيت جرينتش. هذا الارتفاع قاد خام برنت إلى الاقتراب مجددا من مستوى الـ 60 دولار للبرميل، وهو حاجز نفسي رئيسي يمثل نقطة مقاومة ودعم للمتداولين. وفي الوقت ذاته، ارتفع خام غرب تكساس (WTI) الأمريكي بنفس النسبة تقريبا (1.5%)، بزيادة قدرها 85 سنتًا ليصل إلى 56.12 دولارًا للبرميل، مبتعدًا عن أدنى مستوياته التي سجلها مؤخرًا.

يأتي هذا الارتفاع الحاد في أسعار النفط ليُعاكس الاتجاه الهبوطي الذي ساد الجلسة السابقة، حيث كانت الأسعار قد استقرت قرب أدنى مستوياتها في خمس سنوات. هذا الانخفاض كان مدفوعًا بشكل رئيسي بالتقدم المحرز في محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا، وهو تقدم كان يُتوقع أن يُفضي إلى تخفيف العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، وبالتالي تحرير الإمدادات الروسية الهائلة وزيادة المعروض العالمي، مما يهدد بتخمة نفطية في السوق.

دوافع القرار الأمريكي وتصعيد الضغوط على كاراكاس

أمر ترامب، يوم الثلاثاء، بفرض حصار على جميع ناقلات النفط التي تخضع للعقوبات وتدخل فنزويلا أو تغادرها، مضيفاً أنه بات يعتبر حكام البلاد “منظمة إرهابية أجنبية”. هذا التصنيف القانوني الخطير يرفع من مستوى المخاطر التي تواجهها أي شركة أو ناقلة تحاول التعامل مع النفط الفنزويلي، حتى تلك التي قد تكون لديها تراخيص سابقة، مما يهدد بملاحقات قضائية وعقوبات جنائية محتملة في الولايات المتحدة.

هذا التصعيد الحاد يأتي بعد أسبوع واحد فقط من قيام الولايات المتحدة بمصادرة ناقلة نفط خاضعة للعقوبات قبالة السواحل الفنزويلية، في مؤشر واضح على جدية واشنطن في استخدام القوة لقطع شريان الحياة الاقتصادي لنظام الرئيس نيكولاس مادورو. وتبقى التحديات اللوجستية والقانونية لتطبيق هذا الحصار البحري معقدة، خصوصاً في المياه الدولية. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف كيفية تطبيق هذا الحصار وعدد الناقلات التي سيشملها، خصوصاً وأن بعض السفن المستأجرة من قبل شركات مثل شيفرون (CVX.N) لا تزال تنقل النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة بموجب تفويض سابق. كما أن العديد من الناقلات التي تحمل النفط من فنزويلا، أو من دول أخرى خاضعة للعقوبات مثل إيران وروسيا، لا تخضع لعقوبات أمريكية مباشرة.

هل يستمر ارتفاع أسعار النفط؟

أشار متداولو النفط الخام في آسيا إلى أن الارتفاع لم يكن مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية وحدها، بل ساهم فيه أيضاً انتعاش شراء العقود الآجلة بعد أن تراجعت أسعار النفط دون مستوى 60 دولارًا للبرميل، ما مثل فرصة للمشترين لاقتناص العقود بأسعار منخفضة نسبيًا قبل إغلاق الجلسة الآسيوية، في تحرك فني لافت.

ويؤكد المحللون الاقتصاديون أن التأثير طويل الأمد للحصار على السوق العالمية قد يكون محدودًا لعدة أسباب تتعلق بنوعية النفط وحجم الإنتاج:

  1. حصة الإنتاج الضئيلة: قالت مويو شو، كبيرة محللي النفط في “كبلر”، إن “إنتاج فنزويلا من النفط يمثل حوالي 1% من الإنتاج العالمي”، مما يقلل من حجم الاضطراب الكلي في الإمدادات. ورغم امتلاك فنزويلا لأكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فإن سوء الإدارة وتراكم العقوبات أديا إلى انهيار قدرتها الإنتاجية.
  2. تركيز المشترين ونوعية الخام: تتركز الإمدادات الفنزويلية لدى مجموعة صغيرة من المشترين الرئيسيين، في مقدمتهم مصافي التكرير الصينية التي تتخصص في معالجة الخام الثقيل والحامض. وتُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي، حيث يشكل حوالي 4% من إجمالي وارداتها. ويتميز النفط الفنزويلي بكثافته العالية (ثقيل) واحتوائه على نسبة كبريت مرتفعة (حامض)، مما يتطلب مصافي تكرير متخصصة ومكلفة للتعامل معه، على عكس خام برنت الخفيف والحلو.
  3. وفرة المعروض المعاقب: أوضحت شو أيضاً أن “وفرة المعروض في سوق النفط الخاضعة للعقوبات يُتوقع أن يحد من أي صعود ملحوظ في أسعار النفط الخام الفنزويلي في الصين، على الرغم من التعطل المتوقع في الشحنات”. فوجود إمدادات وفيرة من نفط روسيا وإيران، والتي تخضع أيضاً للعقوبات، يوفر خيارات بديلة للمشترين الآسيويين، مما يقلل من ضغط السعر التصاعدي على المدى الطويل.

التوقعات قصيرة وطويلة الأجل

حذّر إمريل جميل، كبير محللي النفط في “إل إس إي جي” (LSEG)، من أن الارتفاع الحالي قد لا يدوم. وأضاف: “من غير المرجح حدوث ارتفاع حاد في الأسعار على المدى القصير ما لم تحدث إجراءات انتقامية تؤثر على أنظمة النفط والغاز في منطقة الأمريكتين الأوسع”، مثل تعطيل المضائق أو استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وهو ما يعتبر سيناريو بعيد الاحتمال حالياً.

وعلى الرغم من ذلك، يبقى الاتجاه العام للسوق عرضة لـ “مخاطر هبوطية” في ظل استمرار النقاشات الروسية-الأوكرانية وتوقعات وفرة المعروض العالمي، خاصة بعد أن تجاوز إنتاج تحالف “أوبك+” توقعات السوق. ومع ذلك، يمكن لأي اضطراب ممتد في الإمدادات أن يدعم أسعار درجات الخام الثقيل على المدى الطويل، مما يجعل السوق توازن بدقة بين تقلبات العرض الجيوسياسية وضعف الطلب العالمي المستمر، في انتظار مؤشرات اقتصادية أقوى أو تحولات سياسية كبرى.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى