أخبار الأسواقأخبار الدولار الأمريكيفوركس

الدولار الأمريكي يتراجع بعد بيانات الوظائف المختلطة وتزايد الحذر بشأن الفائدة

شهد سعر الدولار الأمريكي تراجعاً ملحوظاً مقابل العملات العالمية الرئيسية يوم الثلاثاء، وذلك في أعقاب صدور بيانات اقتصادية أمريكية مؤجلة كشفت عن نمو في الوظائف أقوى من التوقعات. ويأتي هذا التطور ليطلق إشارات متضاربة قد تدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) إلى توخي الحذر الشديد إزاء الاستمرار في خفض أسعار الفائدة على المدى القريب.

هذا التراجع في قوة الدولار يشير إلى أن الأسواق المالية تقوم بإعادة تقييم مسار السياسة النقدية الأمريكية، خاصة بعد أن أظهرت البيانات تبايناً في الأداء الاقتصادي. إن تأخر صدور تقرير التوظيف لمدة 43 يوماً بسبب إغلاق الحكومة الفيدرالية أضاف طبقة من التعقيد، حيث كانت الأسواق تتوق بشدة إلى فهم الصورة الحقيقية لمرونة الاقتصاد الأكبر في العالم. ففي ظل الشكوك، عادة ما يجد الدولار الأمريكي دعماً، لكن البيانات التي جاءت “جيدة ولكن ليست مبهرة” لم تكن كافية لدعم موقفه مقابل العملات الأخرى التي تستعد لبحث سياساتها النقدية.

بيانات سوق العمل: إشارات إيجابية وأيضا قلق متزايد حول البطالة

أظهر التقرير الاقتصادي المؤجل، والذي تأخر بسبب إغلاق الحكومة الفيدرالية لمدة 43 يوماً، أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 64 ألف وظيفة جديدة في شهر نوفمبر، متجاوزاً بذلك التوقعات التي جمعتها وكالة “رويترز” للاقتصاديين، حيث كانت التوقعات تشير إلى رقم أقل. وجاء هذا النمو بعد أن كان الاقتصاد قد فقد 105 آلاف وظيفة بشكل صادم في شهر أكتوبر، بحسب بيانات وزارة العمل. ويُعد تجاوز التوقعات دائمًا مؤشراً على استمرار مرونة سوق العمل، وهو ما يقلل الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لتسريع وتيرة التيسير النقدي.

وعلى الرغم من الرقم الإيجابي للوظائف المضافة، فقد أشار التقرير إلى تباينات أخرى مثيرة للقلق. أبرز هذه التباينات هو ارتفاع معدل البطالة من 4.4% إلى 4.6%. هذا الارتفاع الطفيف ولكنه المهم يمثل نقطة ضعف محتملة في قوة سوق العمل الأمريكية، حيث يمكن أن يشير إلى تراكم “الطاقة الفائضة” في التوظيف أو أن عدد الأفراد الباحثين عن عمل يفوق فرص العمل المتاحة، وهو ما يمثل نقطة قلق رئيسية للمحللين، وقد “يرفع حواجب” صناع القرار في الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعهم المقبل لتقييم المخاطر المترتبة على نمو أضعف.

التفسير التحليلي لرد فعل الدولار: لماذا تراجع رغم النمو؟

في تعليق على البيانات، أوضح جون فيليس، خبير الاستراتيجيات الكلية والعملات الأجنبية في “بي إن واي” (BNY)، أن البيانات كانت “مختلطة” وغير حاسمة. فمن ناحية، كانت هناك إشارات جيدة على التوظيف وأفضل قليلاً من المتوقع، لكنها لم تكن قوية بشكل “هائل”. والأهم من ذلك، أشار فيليس إلى أن غالبية الوظائف التي تم استحداثها تركزت في قطاعات غير دورية ومقاومة للركود مثل الرعاية الصحية.

هذا التركيز في التوظيف على القطاعات الدفاعية بدلاً من القطاعات الدورية (مثل التصنيع والبناء والخدمات المالية، التي تتأثر مباشرة بالدورة الاقتصادية والنمو القوي)، يوحي بأن النشاط الاقتصادي الدوري الفعلي لم يشهد انتعاشاً كبيراً كما يأمل البعض. بمعنى آخر، “الأرقام الرئيسية كانت جيدة نوعًا ما، لكن جوهر البيانات لم يكن رائعاً”. هذا التقييم المتوازن هو ما جعل الأسواق تنظر إلى التقرير على أنه “متعادل” أو “متوازن” الأثر، فلم يقدم دافعاً قوياً لتعزيز الدولار الأمريكي الذي كان يتوقع بيانات أكثر حيوية.

تزايد احتمال تثبيت سعر الفائدة واستقرار السياسة النقدية

يأتي تراجع الدولار الأمريكي في ظل توقعات متزايدة بأن يقرر الاحتياطي الفيدرالي تثبيت سعر الفائدة بدلاً من الإقدام على التخفيضات. وفقاً لأداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة “سي إم إي” (CME Group)، فإن العقود الآجلة لأسعار الفائدة تُسعّر حالياً احتمالاً ضمنياً بنسبة 73.4% للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع البنك المركزي القادم المقرر في 28 يناير، وهي نسبة ارتفعت من نحو 70% قبل أسبوع واحد. ويشير هذا الارتفاع البسيط لكنه الثابت إلى أن الأسواق باتت أكثر قناعة بأن الاحتياطي الفيدرالي سيختار سياسة الانتظار والترقب.

هذا التوقع يعزز فكرة أن النمو القوي نسبياً في التوظيف، حتى مع ارتفاع طفيف في البطالة، يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لعدم التسرع في التيسير النقدي. هذا التخفيف من التوقعات لخفض سعر الفائدة هو ما أثر سلباً على جاذبية الدولار، حيث أن قوة العملة غالبًا ما تكون مدعومة بمسار واضح وصريح نحو رفع أو تثبيت الفائدة لفترة أطول.

حركة العملات الرئيسية الأخرى مقابل الدولار: التركيز على قرارات البنوك المركزية

انخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الخضراء مقابل سلة من العملات الرئيسية (بما فيها اليورو والين)، بنسبة 0.22% ليصل إلى 98.05، مسجلاً بذلك ثاني جلسة تراجع على التوالي، مما يؤكد الضغط المستمر على العملة. وقد استفادت العملات الأخرى بشكل كبير من ضعف الدولار الأمريكي، خاصة مع ترقب قرارات البنوك المركزية الكبرى هذا الأسبوع:

  • اليورو (EUR): ارتفع بنسبة 0.3% مقابل الدولار ليصل إلى 1.1788 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له منذ سبتمبر، ويتجه نحو تسجيل خامس جلسة مكاسب متتالية. وجاء هذا الارتفاع مدعوماً ببيانات اقتصادية متباينة من منطقة اليورو؛ فبينما أظهرت البيانات ارتفاع معنويات المستثمرين الألمان أكثر من المتوقع في ديسمبر (مؤشر ZEW)، أظهرت بيانات أخرى تباطؤاً في نمو نشاط الأعمال في منطقة اليورو بنهاية عام 2025. هذه البيانات المختلطة عززت موقف البنك المركزي الأوروبي بالإبقاء على سياسة سعر الفائدة “أعلى لفترة أطول”، مما جعل اليورو أكثر جاذبية مقابل الدولار الضعيف.
  • الجنيه الإسترليني (GBP): ارتفع بقوة بنسبة 0.39% ليصل إلى 1.3425 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين، وذلك قبيل قرار بنك إنجلترا المتوقع صدوره يوم الخميس. وتتركز الأنظار على احتمال حدوث تصويت متقارب بشأن خفض سعر الفائدة، حيث تتوقع الأسواق أن يغير المحافظ آندرو بيلي رأيه ليدعم قرار الخفض. تعكس قوة الإسترليني الحالية جزئياً التفاؤل بأن البنك قد لا يذهب إلى التيسير بقوة كما كان متوقعًا في وقت سابق، رغم التوقعات بانقسام الأصوات.
  • الين الياباني (JPY): انخفض الدولار بنسبة 0.38% مقابل الين إلى 154.615 قبيل قرار بنك اليابان يوم الجمعة. ورغم أن رفع سعر الفائدة من بنك اليابان أصبح متوقعاً على نطاق واسع، خاصة بعد أن وصل شعور الشركات الصناعية اليابانية الكبرى إلى أعلى مستوى في أربع سنوات في الأشهر الثلاثة حتى ديسمبر، إلا أن المحللين يشيرون إلى أن التحديث السياساتي لبنك اليابان قد يفشل في دعم الين بقوة. والسبب هو أن المخاوف المالية المتعلقة بالدين الحكومي والإنفاق العام في اليابان تضغط على العملة، مما يحد من مكاسبها حتى في ظل التضييق النقدي.

في الختام، يواجه الدولار الأمريكي فترة من عدم اليقين في ظل تضارب الإشارات الاقتصادية، حيث يشير نمو الوظائف إلى مرونة الاقتصاد بينما يثير ارتفاع البطالة تساؤلات حول قوته واستدامته. وسيظل مصير الدولار مرهوناً بقرارات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة، والتي من المرجح أن تميل نحو الحذر في اتخاذ أي خطوة لتخفيض سعر الفائدة في يناير، إضافة إلى قوة وتوجهات السياسات النقدية للبنوك المركزية الأخرى هذا الأسبوع.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى