ثبات عوائد سندات منطقة اليورو على وقع مؤشرات مديري المشتريات المخيبة

شهدت عوائد سندات منطقة اليورو استقراراً نسبياً يوم الثلاثاء، حيث امتص المستثمرون والمحللون نتائج مؤشرات مديري المشتريات المركبة (PMIs) لمنطقة اليورو التي جاءت أضعف من التوقعات، متجهة أنظارهم نحو تقرير الوظائف الأمريكية الحاسم وقرار البنك المركزي الأوروبي المرتقب. يعكس هذا الاستقرار توازناً دقيقاً في السوق، حيث ضغطت الإشارات السلبية لضعف النمو على العوائد نحو الانخفاض، بينما حدّت التوقعات بارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية وتشدد البنوك المركزية من أي تراجع كبير.
أشارت المسوحات الصادرة هذا الأسبوع إلى أن نمو نشاط الأعمال في منطقة اليورو تباطأ بوتيرة أكبر مما كان متوقعاً في نهاية عام 2025. ويُعزى هذا التباطؤ إلى تعمق الانكماش في قطاع الصناعات التحويلية، مصحوباً بتراجع وتيرة التوسع في قطاع الخدمات المهيمن. يُنظر إلى التراجع المستمر في قطاع التصنيع كدليل على ضعف الطلب الخارجي وتأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض، بينما يشير تخفيف الزخم في قطاع الخدمات إلى أن مرونة الاستهلاك الداخلي بدأت تتلاشى تدريجياً. وتغذي هذه النتائج المخاوف بشأن احتمالية الانزلاق إلى ركود اقتصادي، وهو ما يقلل من جاذبية رفع أسعار الفائدة، وبالتالي يكبح الارتفاعات المحتملة لـ عوائد سندات منطقة اليورو.
ثبات العائد القياسي ومؤشرات السوق:
- ظل عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات (المعيار لمنطقة اليورو) ثابتاً تقريباً عند 2.8475%، بعد أن لامس الأسبوع الماضي أعلى مستوياته منذ منتصف مارس عند 2.894%. ويُعد هذا المستوى بمثابة علامة على أن المستثمرين لم يتخلوا بعد عن توقعاتهم برفع أسعار الفائدة الأمريكية مستقبلاً.
- وبالمثل، استقر العائد على سندات شاتز الألمانية لأجل سنتين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة قصيرة الأجل، عند 2.15%.
وفي هذا السياق، علّق مايكل براون، كبير الاستراتيجيين في Pepperstone، بأن البيانات “أضعف قليلاً مما كان متوقعاً بالتأكيد”، لكن السوق دخلت في وضع “الانتظار والترقب” لصدور بيانات كشوف الرواتب الأمريكية غير الزراعية في وقت لاحق، التي يُنظر إليها على أنها العامل الأقوى والأكثر قدرة على تحريك الأسواق في الوقت الراهن.
تباين أداء الاقتصادات الكبرى: فرنسا وألمانيا وتأثيره على علاوة المخاطرة
أكدت بيانات مؤشرات مديري المشتريات (PMIs) التباين في الأداء الاقتصادي داخل المنطقة، مما يؤثر على تقييم علاوة المخاطرة بين سندات الدول الأعضاء. ففي فرنسا، تباطأ نمو نشاط القطاع الخاص إلى ما يقرب من التوقف في ديسمبر، وفقاً لمسح S&P Global، الذي أشار إلى أن حالة عدم اليقين السياسي المستمرة لا تزال تلقي بظلالها على ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
- نتيجة لذلك، انخفض العائد على سندات OATs الفرنسية بواقع نقطة أساس واحدة إلى 3.55%. ويُلاحظ أن الفارق (Spread) بين هذه السندات والسندات الألمانية (البوند) قد اتسع ليبلغ 70.40 نقطة أساس، مما يشير إلى زيادة حذر المستثمرين تجاه الأصول الفرنسية نتيجة المخاطر السياسية والمالية المحلية، على الرغم من انخفاض العائد الاسمي.
- على الصعيد السياسي، أقر مجلس الشيوخ الفرنسي مشروع قانون ميزانية 2026، مما يمهد لمفاوضات هامة في نهاية الأسبوع. وتعد نتيجة هذه المفاوضات عاملاً مهماً سيراقب عن كثب لتحديد مدى الانضباط المالي الذي ستتبناه الحكومة الفرنسية في مواجهة التباطؤ الاقتصادي.
وفي ألمانيا، تباطأ نمو القطاع الخاص للشهر الثاني على التوالي في ديسمبر، متأثراً بركود تدفقات الأعمال الجديدة وتراجع الإنتاج الصناعي التحويلي. وتأتي بيانات مؤشرات مديري المشتريات هذه عقب أرقام يوم الاثنين التي أظهرت تسارع نمو الإنتاج الصناعي في أكتوبر، مما يضيف إلى حالة التذبذب وعدم الوضوح في مسار “القاطرة الاقتصادية” لمنطقة اليورو.
محور الاهتمام: سياسات البنوك المركزية (الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي)
يظل الترقب الأكبر مُوجهاً نحو السياسة النقدية العالمية، حيث تستعد الأسواق لسلسلة من اجتماعات البنوك المركزية المؤثرة، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي (ECB)، وبنك إنجلترا، وبنك اليابان هذا الأسبوع.
1. البنك المركزي الأوروبي (ECB): ترقب الإشارات المستقبلية
من المقرر أن يجتمع البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس، حيث تُشير التوقعات السائدة بشكل كبير إلى أن البنك سيُبقي على أسعار الفائدة ثابتة عند مستوى 2%. ويأتي هذا الإجماع في ظل تراجع معدلات التضخم في المنطقة، مما يسمح للبنك بالتوقف لتقييم التأثير الكامل لدورته التشديدية السابقة على النمو الاقتصادي وتوقعات الأسعار على المدى المتوسط. وسيكون التركيز منصباً على البيان الرسمي للبنك والمؤتمر الصحفي الذي سيعقد، للبحث عن أي تغيير في التوقعات المستقبلية (Forward Guidance) أو أي إشارة حول التوقيت المحتمل لبدء خفض أسعار الفائدة خلال النصف الأول من العام المقبل. وتأتي هذه التوقعات وسط بيانات التضخم المتوافقة مع الاتحاد الأوروبي (HICP) في إيطاليا، التي أكدت انخفاضها بنسبة 0.2% على أساس شهري في نوفمبر.
2. الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Fed): بيانات التوظيف ومحور البيانات
تحول الاهتمام الآن إلى بيانات كشوف الرواتب الأمريكية غير الزراعية، مع توقعات بأن يكون نمو الوظائف قد انتعش في نوفمبر. تُعد هذه البيانات حاسمة لأنها تُقدم دليلاً على صحة سوق العمل الأمريكي، والذي لا يزال متسقاً مع الضعف التدريجي. لكن الأهم من عدد الوظائف الإجمالي هو تفاصيل التقرير، وتحديداً متوسط الأجور في الساعة ومعدل المشاركة في القوى العاملة، حيث أن نمو الأجور المرتفع يُعد مؤشراً رئيسياً على استمرار الضغوط التضخمية التي تثير قلق الاحتياطي الفيدرالي.
وأكد مايكل براون أهمية هذه البيانات بالقول: “أدرك أن هناك تساؤلاً في الأسواق حول مدى أهمية هذه البيانات بعد ستة أسابيع من الحدث، لكنها بالتأكيد قد تُحرك السوق لسبب وحيد هو أن الاحتياطي الفيدرالي أشار إلى أنه يعتمد الآن على البيانات”. وأضاف أنه مع اقتراب الفيدرالي من سعر الفائدة “المحايد”، يصبح الحاجز أمام أي خفض إضافي للأسعار أعلى، مما يرفع من مستوى الأهمية الممنوحة لأي تقرير اقتصادي رئيسي.
وكان رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، قد صرح يوم الاثنين بأن قرار البنك المركزي بخفض سعر الفائدة الأسبوع الماضي كان خطوة صحيحة تضعه في وضع جيد للتعامل مع اقتصاد يسير على المسار الصحيح لتحقيق أداء جيد نسبياً العام المقبل.
ختاما يعكس ثبات عوائد سندات منطقة اليورو توازناً دقيقاً ومعقداً بين الإشارات الاقتصادية السلبية (PMIs الضعيفة التي تشير إلى تباطؤ النمو) والترقب المُكثف للأحداث الاقتصادية الكبرى التي قد تُعيد تشكيل توقعات السياسة النقدية العالمية. وفي الوقت الذي يبدو فيه البنك المركزي الأوروبي ثابتاً على موقفه في الوقت الراهن، فإن أي مفاجأة إيجابية أو سلبية في بيانات التوظيف الأمريكية قد يكون لها تأثير فوري ومباشر على مسار الدولار وتوقعات خفض أو رفع أسعار الفائدة في المستقبل، مما سيؤثر بدوره على عوائد السندات الأوروبية كأصل آمن. تبقى أسواق السندات في وضع حرج، حيث تُحدد البيانات القادمة ما إذا كانت الضغوط التضخمية العالمية قد انتهت فعلاً، أو ما إذا كانت قضايا النمو الضعيف هي التي ستصبح العنوان الأبرز في الأشهر القادمة، وهو ما سيحدد اتجاه العوائد بشكل نهائي.
اقرأ أيضا…



