أسعار النفط تحافظ على استقرارها في ظل توازن دقيق بين اضطرابات فنزويلا ومخاوف الفائض

تظهر أسعار النفط متماسكة بشكل لافت، حيث يعمل عاملان متعارضان على خلق حالة من التوازن الهش في الأسواق العالمية: المخاوف من تعطل إمدادات النفط الفنزويلية بفعل العقوبات الأمريكية المتصاعدة، يقابلها القلق المتزايد من حدوث فائض عالمي ضخم على المدى المتوسط، بالإضافة إلى الترقب للآثار المحتملة لمفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا. هذا التضارب الجيوسياسي والتوقعات الهيكلية يحدد مسار التداول في الفترة الحالية.
التوازنات المعقدة في سوق الطاقة العالمية بين الهبوط والصعود
بعد انزلاق عقود الخام الرئيسية بأكثر من 4% الأسبوع الماضي، مدفوعة بتوقعات حول حدوث فائض في السوق العالمية بحلول عام 2026، حافظت أسعار النفط يوم الاثنين على ثباتها النسبية. فقد تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بشكل طفيف إلى 60.96 دولاراً للبرميل، بينما استقر خام غرب تكساس الوسيط عند 57.27 دولاراً للبرميل.
لم يكن هذا الانزلاق الأسبوع الماضي مدفوعاً بتوقعات الفائض فحسب، بل تغذى أيضاً على بيانات الاقتصاد الكلي المختلطة الواردة من أسواق رئيسية مثل الصين وأوروبا، والتي خففت من الآمال في انتعاش قوي للطلب على الطاقة، مما أضاف طبقة من التشاؤم على السوق. وعليه، فإن الثبات الحالي يعكس “توازناً دقيقاً” بين قوى الدفع والشد؛ فالضغوط الهبوطية الناتجة عن الأساسيات الضعيفة يتم إلغاؤها تقريباً بالكامل بفعل المخاطر الجيوسياسية على جانب العرض. يشير المحلل جون إيفانز من PVM إلى أن الانخفاض الكبير في الأسعار الأسبوع الماضي كان من الممكن أن يكون أكثر سلبية “لولا تصعيد الولايات المتحدة للأزمة مع فنزويلا.”
تصعيد العقوبات على فنزويلا يضع أرضية سعرية ويدعم الأسعار
تعد التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وفنزويلا بمثابة عامل دعم رئيسي للأسعار في الوقت الحالي، حيث تمثل سياسة واشنطن أداة فعالة لتخفيض المعروض في السوق. فبعد أن استولت واشنطن على ناقلة نفط وفرضت عقوبات جديدة تستهدف شركات وسفن الشحن التي تتعامل مع فنزويلا، شهدت صادرات الدولة اللاتينية المنتجة للنفط انخفاضاً حاداً.
تراقب الأسواق هذه التطورات عن كثب، حيث تهدف الإدارة الأمريكية إلى تشديد الخناق على الرئيس نيكولاس مادورو. إن التهديد بمزيد من عمليات اعتراض السفن ينذر باضطراب وشيك وملموس في إمدادات النفط القادمة من فنزويلا. وتتجلى أهمية هذا التعطيل في أن صادرات فنزويلا تتكون بشكل رئيسي من النفط الخام الثقيل والحامض، وهو نوع حاسم لعمليات التكرير المتخصصة، خاصة في مصافي تكرير ساحل الخليج الأمريكي. إن فقدان هذا النوع المحدد من إمدادات النفط يجبر المصافي على البحث عن بدائل، مما يرفع تكاليف المزج ويخلق بذلك أرضية سعرية محلية رغم وفرة المعروض العالمي العام. هذا العامل يحد بقوة من الضغوط الهبوطية الناتجة عن مخاوف الفائض.
تأثير مفاوضات السلام الروسية-الأوكرانية على العرض
أحد العوامل الجيوسياسية الأخرى التي تؤثر على تداولات أسعار النفط هو مسار مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا. فقد عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إسقاط طموح بلاده في الانضمام إلى حلف الناتو بعد محادثات مكثفة، مما أثار بصيص أمل في التوصل إلى حل سلمي.
في حين أفاد المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بتحقيق “الكثير من التقدم”، فإن أي اتفاق سلام محتمل في المستقبل قد يؤدي في النهاية إلى زيادة معروض النفط الروسي المعروض في السوق العالمية. ويزيد هذا الاحتمال من المخاوف، إذ قد يفتح المجال لرفع تدريجي للعقوبات الغربية أو يسهل على روسيا الوصول إلى أسواق جديدة بشروط أكثر مرونة، مما يضيف كميات كبيرة من إمدادات النفط إلى السوق المليئة بالفعل بالمعروض. يؤكد تسويوشي أوينو، كبير الاقتصاديين في معهد NLI للأبحاث، أن “محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا تتأرجح بين التفاؤل والحذر، بينما تتصاعد التوترات بين فنزويلا والولايات المتحدة، مما يثير المخاوف بشأن تعطل محتمل للإمدادات”.
شبح الفائض العالمي يسيطر على التوقعات المتوسطة
على الرغم من الدعم اللحظي الذي توفره الاضطرابات الفنزويلية، تبقى النظرة المستقبلية للعام 2026 محاطة بالقلق. فقد أشارت أبحاث السلع في جي بي مورجان (JPMorgan Commodities Research) إلى أن الفائض العالمي في النفط، المتوقع في عام 2025، من المرجح أن يتسع بشكل أكبر في عامي 2026 و 2027.
هذا الفائض المتوقع مدفوع بالأساس بنمو قوي في إنتاج النفط من خارج تكتل أوبك+، لا سيما الزيادة المستمرة في إنتاج النفط الصخري الأمريكي (Shale Oil) وارتفاع الإنتاج في دول خارج التكتل مثل البرازيل وغيانا. وتشير التوقعات إلى أن نمو إمدادات النفط العالمية سيتجاوز نمو الطلب بثلاثة أضعاف حتى عام 2026. هذا التسارع في الإنتاج من خارج أوبك+ من شأنه أن يطغى على بيئة الطلب المتواضعة، والتي هي بدورها مقيدة بالتضخم العالمي المستمر والتحولات المتسارعة نحو مصادر الطاقة البديلة. هذا التباين يؤكد أن التحدي الهيكلي المتمثل في اختلال التوازن بين العرض والطلب لا يزال قائماً ومؤثراً على نظرة المستثمرين طويلة الأجل لأسعار النفط.
اقرأ أيضا…



