الأسهم الأمريكية: تحليل أسباب تراجع S&P 500 والتحول من أسهم النمو إلى القيمة

شهدت الأسهم الأمريكية نهاية أسبوع مضطربة، حيث تراجعت مؤشرات السوق الرئيسية، متخلية عن المكاسب القياسية التي سجلتها في وقت سابق. جاء هذا التراجع مدفوعاً باستمرار تحول المستثمرين من قطاع التكنولوجيا وأسهم النمو المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى قطاعات السوق التقليدية وأسهم القيمة.
سجل مؤشر S&P 500 تراجعاً بنسبة 1.07% ليغلق عند 6,827.41 نقطة، كما هوى مؤشر الناسداك المركب (Nasdaq Composite) الذي يضم أغلب أسهم التكنولوجيا، بنسبة 1.69% ليغلق عند 23,195.17 نقطة. ورغم هذا التراجع الواضح، فقد تمكن مؤشر داو جونز الصناعي (Dow Jones Industrial Average) من إغلاق الأسبوع على ارتفاع بنسبة 1.1%، مما يؤكد حدوث “دوران” جوهري داخل السوق. كان هذا التباين ملحوظاً بشكل خاص يوم الجمعة، حيث سجل مؤشر داو جونز الصناعي ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.51% عند الإغلاق، بعد أن وصل في وقت سابق من الجلسة إلى مستوى قياسي جديد غير مسبوق. وبالمثل، تراجع مؤشر راسل 2000 للشركات الصغيرة بنسبة 1.51%، لكنه كان قد وصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق خلال يوم التداول، مما يعكس موجة التفاؤل المتقطعة التي سبقت عمليات جني الأرباح الواسعة.
ضغوط مكثفة على أسهم الذكاء الاصطناعي
كان المحرك الرئيسي لتراجع المؤشرات هو موجة البيع القوية التي طالت أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (AI). وقد تجسدت هذه الضغوط في سهم شركة برودكوم (Broadcom)، الذي تراجع بأكثر من 11%، على الرغم من تجاوز الشركة لتوقعات أرباح الربع الرابع وتقديمها لتوقعات قوية للربع الحالي تشير إلى تضاعف مبيعات شرائح الذكاء الاصطناعي.
ويعتقد بعض المحللين أن هذا التراجع يعود إلى مخاوف بشأن “انضغاط الهامش الربحي” (Margin Compression) في أعمال الشركة. هذه المخاوف امتدت لتطال أسماء بارزة أخرى في سباق الذكاء الاصطناعي، مثل AMD وبالانتير تكنولوجيز (Palantir Technologies) ومايكرون (Micron)، مما يثير تساؤلات حول استدامة الارتفاعات الصاروخية التي شهدتها هذه الأسهم.
لا يقتصر الضغط على أسهم الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على تصنيع الرقائق فحسب، بل يمتد ليشمل عمالقة التكنولوجيا الذين استفادوا من طفرة النمو الأخيرة. ففي الجلسة السابقة، تراجعت أسهم كبرى مثل ألفابت (Alphabet) وإنفيديا (Nvidia)، مما أدى إلى إغلاق مؤشر الناسداك على انخفاض، على الرغم من تسجيل S&P 500 والداو لارتفاعات قياسية آنذاك. يعكس هذا التخارج الحذر من المستثمرين الذين يرون أن التقييمات الحالية لأسهم النمو المفرطة قد لا تكون مبررة بالكامل على المدى القصير، خاصة مع اقتراب نهاية العام حيث يفضل الكثيرون إعادة التوازن إلى محافظهم الاستثمارية.
التحول إلى أسهم القيمة والقطاعات الدورية
في المقابل، شهدت القطاعات الأخرى في السوق ارتفاعاً ملحوظاً، مستفيدة من السيولة الخارجة من أسهم التكنولوجيا. هذا التحول، أو ما يُعرف بـ “تدوير رأس المال” (Rotation Trade)، استهدف بشكل خاص:
- القطاع المالي: مدعوماً بأسهم شركات مثل فيزا (Visa) وماستركارد (Mastercard)، التي تُعتبر مؤشرات قوية على صحة الإنفاق الاستهلاكي ونشاط الاقتصاد بشكل عام.
- الرعاية الصحية: مع أداء قوي لشركة يونايتد هيلث جروب (UnitedHealth Group)، وهو قطاع غالباً ما يُنظر إليه على أنه “ملاذ آمن” نسبيًا ضد التقلبات الدورية.
- الصناعات: بقيادة شركات مثل جنرال إلكتريك للطيران (GE Aerospace)، والتي تستفيد بشكل مباشر من تحسن الثقة الاقتصادية وزيادة الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الأساسية.
إن التوجه نحو هذه الأسهم، التي يطلق عليها “أسهم القيمة”، يشير إلى بحث المستثمرين عن عوائد أكثر استقراراً وأقل تقلبًا في الوقت الراهن. ويُعلق إيد إيليربروك، مدير المحافظ في “أرجنت كابيتال مانجمنت”، على هذا الاتجاه قائلاً: “اليوم هو يوم تتفوق فيه أسهم القيمة على أسهم النمو. المستثمرون بالتأكيد متوترون فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي؛ ليسوا متشائمين تماماً، ولكنهم حذرون ومترددون”.
سياق التراجع: تخفيضات الفائدة وقراءة الأسبوع
يأتي هذا التحول بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي الأخير بخفض أسعار الفائدة للمرة الثالثة هذا العام، ما دفع المستثمرين يوم الخميس إلى التوجه نحو الأسهم الدورية (Cyclical Stocks)، وهي الأسهم الأكثر حساسية للاقتصاد الكلي، مع جني الأرباح من الأسهم الموجهة نحو النمو.
هذه الخطوة من البنك المركزي تزيد من جاذبية الأسهم الدورية، وهي الأسهم التي تكون أرباحها حساسة للغاية لوتيرة النمو الاقتصادي. فمع تراجع تكلفة الاقتراض في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة، يُتوقع أن تشهد الشركات المرتبطة مباشرة بالاقتصاد الحقيقي، مثل البنوك والصناعات، دفعة قوية في النشاط والأرباح المستقبلية، مما عزز من عمليات جني الأرباح في أسهم التكنولوجيا المرتفعة.
وعلى مستوى الأداء الأسبوعي، اختتم مؤشرا S&P 500 والناسداك الأسبوع بخسائر، حيث تراجع الأول بنسبة 0.6% والثاني بنسبة 1.6%. في المقابل، حقق مؤشر داو جونز مكاسب أسبوعية بنسبة 1.1%، بينما تفوقت شركات القيمة السوقية الصغيرة ممثلة بمؤشر راسل 2000، مسجلة ارتفاعاً أسبوعياً بنسبة 1.2% بعد أن سجلت ارتفاعات قياسية خلال الأسبوع.
يؤكد هذا الأداء الأسبوعي أن حركة السوق هي جزء طبيعي من ديناميكية الأسواق، حيث لا يمكن لنفس القطاعات أن تتفوق بشكل مستمر. في حين أن تراجع أسهم التكنولوجيا قد يكون مفاجئاً بعد الأداء القوي الأخير، فإنه يُعد تصحيحاً صحياً لتقييمات بعض الشركات. وكما يوضح إيليربروك، فإن هذا التباين “أمر متوقع ولكنه غير مبرر في بعض الأحيان”، مشيراً إلى أن دورات تفوق قطاع على آخر هي سمة مستمرة للأسواق. بالتالي، تتطلب إدارة المحافظ حالياً يقظة عالية وقدرة على الموازنة بين العوائد الكبيرة المحتملة لأسهم النمو، والاستقرار النسبي الذي توفره أسهم القيمة. وتبقى الأسهم الأمريكية في حالة من الترقب، مع استمرار ميزان القوة في التأرجح بين أسهم النمو وأسهم القيمة، وفقاً للمعلومات الاقتصادية المقبلة وقرارات الفيدرالي.
اقرأ أيضا…



