صعود مؤقت للدولار الأمريكي وسط ترقب لمستقبل الفائدة وتراجع الجنيه الإسترليني

شهد الدولار الأمريكي ارتفاعًا طفيفًا يوم الجمعة، لكنه ظل في مسار تسجيل ثالث انخفاض أسبوعي على التوالي، متأثرًا بتوقعات خفض أسعار الفائدة العام المقبل. في المقابل، تراجع الجنيه الإسترليني بعدما أظهرت البيانات الاقتصادية انكماشًا غير متوقع للاقتصاد البريطاني في الأشهر الثلاثة المنتهية في أكتوبر، مما عزز من احتمالات تحول بنك إنجلترا إلى مسار التيسير النقدي.
ويأتي هذا التحرك الأسبوعي استجابةً مباشرة لتداعيات اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) وتلميحاته بشأن السياسة النقدية المستقبلية، والتي كانت أقل تشددًا بكثير مما توقعه المحللون.
أداء الدولار الأمريكي ومستقبل السياسة النقدية الأمريكية
ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي، الذي يقيس العملة الأمريكية مقابل سلة من ست عملات رئيسية أخرى، بنسبة 0.16% ليصل إلى 98.48، متعافيًا من أدنى مستوى له في شهرين سجله يوم الخميس. ومع ذلك، لا يزال المؤشر يتجه نحو انخفاض أسبوعي بنسبة 0.64%. وعلى نطاق أوسع، تراجعت العملة بأكثر من 9% هذا العام، وهي في طريقها لتسجيل أكبر انخفاض سنوي لها منذ عام 2017، مما يسلط الضوء على الضغوط الهيكلية التي يواجهها الدولار الأمريكي مع اقتراب نهاية دورة التشديد النقدي.
تداعيات الفيدرالي الأقل تشدداً
كان التراجع الأسبوعي للدولار نتيجة مباشرة لتحول كبير وملموس في لهجة الاحتياطي الفيدرالي. فبدلاً من التركيز بشكل حصري على “القتال ضد التضخم”، أشار البيان الأخير إلى أن المخاطر أصبحت “متوازنة” وأن التضخم يتجه بثبات نحو الهدف البالغ 2%. هذا التحول في الخطاب، المقترن بتعديلات طفيفة في توقعات النمو والتضخم، فُسّر على أنه ضوء أخضر لبدء تخفيف السياسة النقدية عاجلاً وليس آجلاً.
إن الانخفاض الكبير في قيمة العملة بأكثر من 9% على أساس سنوي، والذي يعد الأكبر منذ عقد تقريباً، يشير إلى نهاية حقبة هيمنة الدولار التي بدأت بدورة التشديد النقدي. هذا الضعف له تداعيات واسعة، ليس فقط على تدفقات رأس المال الأمريكية، ولكن أيضًا على أسعار السلع المقومة بالدولار عالميًا، مما يوفر بعض الارتياح للبلدان المستوردة ولكنه يزيد من مخاطر التضخم في مناطق أخرى تعتمد على استيراد السلع الأولية.
وعلّق فرانتيشيك تابورسكي، خبير استراتيجي في صرف العملات الأجنبية في ING، بالقول: “يستقر الدولار الأمريكي بعد عمليات البيع اللاحقة لقرار الفيدرالي، مع تعرضه لضغوط ناتجة عن انخفاض توقعات أسعار الفائدة والعوامل الموسمية التي تميل لدعم مبيعات الدولار في نهاية العام”.
تباين الرؤى حول مسار أسعار الفائدة وتأثير التحديات السياسية
يواجه المستثمرون حالة من عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية في العام المقبل، حيث لا تزال اتجاهات التضخم وقوة سوق العمل غير واضحة. يبرز التباين في التوقعات بين:
- المتداولون (Traders): ينظرون إلى الصورة الأوسع للاقتصاد العالمي ويعملون على تسعير مخاطر “الهبوط القاسي” (Hard Landing) الذي يتطلب تدخلاً سريعًا وقويًا من الفيدرالي لإنقاذ الاقتصاد، ويسعرون حاليًا احتمال خفضين لأسعار الفائدة في عام 2026.
- صناع السياسة (Policymakers): يصرون على أنهم يهدفون لتحقيق “الهبوط الناعم” (Soft Landing)، حيث ينحسر التضخم دون التسبب في ركود كبير. بناءً على هذا السيناريو الأكثر تفاؤلاً، يتوقعون خفضًا واحدًا فقط في عام 2026 وآخر في عام 2027.
إن تطور السياسة النقدية من الآن فصاعدًا سيعتمد بشكل كبير على البيانات الاقتصادية التي لا تزال متأخرة بسبب تأثير إغلاق الحكومة الفيدرالية الذي استمر 43 يومًا في أكتوبر ونوفمبر، مما يخلق فجوة في المعلومات اللازمة لاتخاذ قرارات مستنيرة. ويأتي ذلك في الوقت الذي تتجه فيه الولايات المتحدة نحو عام انتخابات منتصف الولاية، حيث يصبح التركيز على مؤشرات الأداء الاقتصادي، لا سيما معدلات التوظيف والنمو، أكثر حدة. إن المخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي، خاصة في ضوء الجدل الدائر حول التعيينات المحتملة لرئيس الفيدرالي القادم، تلقي بظلالها على الأسواق. أي تلميح بوجود ضغوط سياسية للتأثير على قرارات أسعار الفائدة يمكن أن يزعزع ثقة المستثمرين ويزيد من تقلبات الدولار الأمريكي، مما يضيف طبقة من التعقيد للمشهد الاقتصادي.
تعثر الاقتصاد البريطاني يثقل كاهل الجنيه الإسترليني
تراجع الجنيه الإسترليني بعد صدور بيانات أظهرت انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.1% في الفترة من أغسطس إلى أكتوبر، خلافًا لتوقعات الاقتصاديين الذين استطلعت رويترز آراءهم، والذين توقعوا قراءة مستقرة.
لم يكن انكماش الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا مفاجئًا تمامًا في سياق التحديات الهيكلية التي تواجه البلاد منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى معدلات التضخم العنيدة التي أجبرت بنك إنجلترا على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. هذا الانكماش الذي بلغ 0.1% من أغسطس إلى أكتوبر، يُعد مؤشرًا قويًا على أن الاقتصاد يعاني من ضغط مزدوج يتمثل في ارتفاع تكلفة الاقتراض وتأثيرات أزمة الطاقة.
ويشير فيليب شو، كبير الاقتصاديين في Investec، إلى أن “الضعف الأخير للاقتصاد ليس واضحًا تمامًا حاليًا فيما إذا كان يمثل تراجعًا جوهريًا أو يعكس انخفاضًا في الإنفاق قبل الميزانية”. وقد جاءت هذه البيانات بعد أن قدمت وزيرة المالية راشيل ريفز ميزانية لزيادة الضرائب في 26 نوفمبر، وهو ما يضيف عبئًا على المستهلكين.
إن اليقين شبه الكامل في السوق بشأن خفض بنك إنجلترا لأسعار الفائدة في اجتماعه التالي يعكس حجم الضرر الاقتصادي المتوقع. فقد أدى تزايد الأدلة على ضعف الطلب المحلي إلى ترسيخ فكرة أن البنك المركزي بات أقرب إلى إنهاء موقفه المتشدد والتحول إلى دعم النمو، مما يضع الجنيه الإسترليني في مسار تنازلي واضح على المدى القصير، حيث أن أسعار الفائدة المتوقعة أقل جاذبية للمستثمرين الدوليين.
نظرة على العملات العالمية الأخرى
بالإضافة إلى الدولار الأمريكي، يترقب المستثمرون أداء العملات الرئيسية الأخرى:
- الجنيه الإسترليني واليورو: كلاهما في وضع يسمح له بتسجيل مكاسبهما الأسبوعية الثالثة على التوالي مقابل الدولار الأمريكي، مستفيدين من ضعف العملة الأمريكية الأخير. وقد تراجع اليورو بشكل طفيف بنسبة 0.1% إلى 1.1726 دولار بعد ارتفاعه بنسبة 0.37% إلى أعلى مستوى في أكثر من شهرين يوم الخميس، مما يدل على مرونة العملة الأوروبية المشتركة في مواجهة توقعات الفيدرالي.
- الين الياباني: سجل ضعفًا بنسبة 0.2% عند 155.92 ين مقابل الدولار قبل اجتماع بنك اليابان المقرر الأسبوع المقبل. بالنسبة للين الياباني، فإن ضعف العملة يضع بنك اليابان أمام تحدٍ فريد يتمثل في التخلي عن سياسة “التحكم في منحنى العائد” التاريخية، والتي أبقت أسعار الفائدة قريبة من الصفر. يتوقع السوق على نطاق واسع رفعًا في سعر الفائدة، مع تركيز الاهتمام على تعليقات صناع السياسة بشأن مسار الفائدة في عام 2026، خاصة فيما يتعلق بإنهاء برنامج التحفيز الضخم الذي استمر لعقود.
- الفرنك السويسري: استقر عند 0.7951 مقابل الدولار الأمريكي، بعد أن ارتفع إلى أعلى مستوى له في شهر تقريبًا يوم الخميس، عقب قرار البنك الوطني السويسري بإبقاء سعر الفائدة ثابتًا عند 0%. ويُعتبر الفرنك ملاذًا آمنًا، وعادة ما يرتفع في أوقات عدم اليقين، لكنه تأثر أيضًا بالتحركات الأوسع للدولار الأمريكي.
تظل أسواق العملات العالمية متقلبة وتتأثر بشكل حاسم بتصريحات البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية الواردة، مما يبقي الدولار الأمريكي في مركز الاهتمام كمحور للسياسة النقدية العالمية والعملة المرجعية الأساسية للتجارة والتمويل الدولي.
اقرأ أيضا…



